لما أراد المنصور البيعة للمهدي ، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك ، فأمر بإحضار الناس فحضروا ، وقامت الخطباء فتكلموا ، وقالت الشعراء فأكثرت في وصف المهدي وفضائله ، وفيهم مطيع بن إياس ، فلما فرغ الخطباء من كلامهم والشعراء من شعرهم قال للمنصور : يا أمير المؤمنين ، حدثنا فلان عن فلان أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم قال : « المهدي منا ، محمد بن عبد الله ، وأمه من غيرنا ، يملأها عدلا كما ملئت جورا » . وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك .
ثم أقبل على العباس فقال له : أنشدك الله ، هل سمعت هذا ؟ فقال :
نعم ، مخافة من المنصور ! فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي .
ولما انفضّ المجلس وكان العباس بن محمد لم يأنس به قال : أرأيتم هذا الزنديق - يعني : مطيع بن إياس - إذ كذب على الله عز وجل وعلى رسوله صلّى اللّه عليه واله وسلم ، حتى استشهدني على كذبه ، فشهدت له خوفا ، وشهد كل من حضر عليّ بأني كاذب .
وكان جعفر بن أبي جعفر المنصور ماجنا ، ومع ذلك فلما بلغه هذا القول عن مطيع بن إياس وكذبه على النبي صلّى اللّه عليه واله وسلم في حديث المهدي ، غاضه ذلك وقد شقت عليه البيعة لأخيه محمد لأنه كان يتطلع إلى الخلافة بعد أبيه ، وكان مطيع بن إياس منقطعا في خدمة جعفر بن المنصور ، ولكن بعد قوله هذا طرده من خدمته وتناوله بكلام فاحش ذكره أبو الفرج الأصفهاني ، ونحن نترفع عن ذكره هنا « 1 » .
ولم تقتصر يد التحريف العباسية على التلاعب بأحاديث المهدي وتزييفها ، بل تطاولت إلى نصوص الخلافة ، بهدف تثبيت سلطانهم الظالم الغاشم ، من خلال اضفاء الطابع الديني والغيبي عليه .
ومن الروايات الموضوعة لصالح السلطة العباسية ، ما أسندوه إلى
هامش
( 1 ) الأغاني 12 / 81 طبع الساسي .