الأرض سبب لوصول الخير والبركة إلى أهلها ، والورى يرزقون من المواهب الإلهية بيمنه وبركته كما تستقى النباتات ببركة سقاية النبات المرغوبة ذات الأزهار البهية والأثمار الطيّبة ما حولها من النباتات غير المرغوبة ، فإنّ الإمام هو الّذي يتحقّق بوجوده الغرض الأعلى لإبداع نوع الإنسان فإنّه القائم بالعبودية الخالصة عن شوب التمرّد ، والمعرفة الّتي لم تلتبس بالجهالة ، والطاعة الّتي لم يختلط بها المعصية ، فبفضله يعيش الورى وبيمنه يرزقون .
الولاية الظاهرة والباطنة :
إنّ للإمام ولايتين ظاهرية وباطنية ينتفع الناس في عصر الغيبة من كلتيهما .
أمّا تصرّفات الإمام بالولاية الباطنية فإنّما تتحقّق من طريق الباطن من دون حاجة إلى ظهوره في مرأى الناس ومنظرهم ، وهناك شواهد تدلّ على تصدّيه لتربية النفوس المستعدّة وتصرّفه فيها « 1 » .
وقد استفاد استاذنا العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه في تفسير الميزان « 2 » من قوله تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
« 3 » بقرينة غيرها من الآيات الشريفة أنّ للإمام إشرافا وولاية باطنية على قلوب الناس ، والإمام منبع الهداية ، والهداية تجري إلى أي قلب من القلوب أراد أن يهديه .
هامش
( 1 ) قال البروفسور هانري كاربن أستاذ جامعة السوربون في باريس : على عقيدتي أنّ مذهب التشيّع هو المذهب المتفرّد بحفظ رابطة الهداية الإلهية بين عالم الإنسانية وبين اللّه على الدوام وأبقى الولاية حية ثابتة على الاستمرار .
إنّ مذهب اليهود قد ختم النبوّة الّتي هي رابطة بين اللّه وعالم الإنسانية في موسى ، ولم يذعن بنبوّة عيسى ومحمّد ، وقطع تلك الرابطة بعد موسى . والنصارى توقفوا على عيسى . كذلك أهل السنّة من المسلمين قطعوا تلك الرابطة ولم يذعنوا بها بعد اختتام النبوّة في خاتم الأنبياء .
ومذهب التشيّع هو المذهب الوحيد الّذي اعتقد بختم الأنبياء بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ولكنه يرى أنّ الولاية الّتي هي رابطة الهداية والتكميل حية بعد رسول اللّه وهي الرابطة الّتي يكشف عن اتصال عالم الإنسانية بعالم الإلوهية بواسطة النبوّة في زمن الأنبياء السالفة قبل موسى وعيسى ومحمّد ثمّ بواسطتهم وبعدهم تستمرّ الولاية بعقيدة الشيعة بلا انقطاع . ( كتاب شيعه : ص 15 ) .
( 2 ) في ذيل آية 124 من البقرة .
( 3 ) الأنبياء : 73 .