ثم قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) : لقد تركتم العمل يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الأيام ، ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده ، أفتركتم الحق إلى الباطل ، أو الباطل إلى الحق ، أو الباطل إلى الباطل ، أو الحق إلى الحق ؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمّد وجوابه لكم ، قالوا : بل ترك العمل في السبت حق ، والعمل بعده حق فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ، ثم قبله الكعبة في وقته حق .
فقالوا له : يا محمّد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة ؟
فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) : ما بدا له عن ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطا ولا يستحدث رأيا بخلاف المتقدم جل عن ذلك ، ولا يقع عليه أيضا مانع يمنعه من مراده ، وليس يبدو إلّا لمن كان هذا وصفه ، وهو عز وجل يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا .
ثم قال لهم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) : أيها اليهود أخبروني عن اللّه أليس يمرض ثم يصح ، ويصح ثم يمرض ، أبدا له في ذلك ؟ أليس يحيي ويميت ، أبدا له في كل واحد من ذلك ؟
قالوا : لا . قال : فكذلك اللّه تعبّد نبيه محمّدا بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبّده بالصلاة إلى بيت المقدس وما بدا له في الأول .
ثم قال : أليس اللّه يأتي بالشتاء في أثر الصيف ، والصيف في أثر الشتاء ، أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ قالوا : لا . قال : فكذلك لم يبد له في القبلة .
قال : ثم قال أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة ، وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر ؟ أفبدا له في الصيف حين أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء ؟ قالوا : لا .
فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه واله ) : فكذلكم اللّه تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشيء ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح يعلمه بشيء آخر ، فإذا أطعتم اللّه في الحالتين استحققتم ثوابه ، فأنزل اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ