اللّه عزّ وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون « 1 » .
قال له عمران : أخبرني عن الإبداع خلق هو أم غير خلق ؟
قال الرضا ( عليه السّلام ) : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون وإنّما صار خلقا ، لأنّه شيء محدث ، واللّه الذي أحدثه . فصار خلقا له . وإنّما هو اللّه عزّ وجلّ وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما ، فما خلق اللّه عزّ وجل لم يعد أن يكون خلقه وقد يكون الخلق ساكنا ومتحرّكا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها وكلّ ما وقع عليه حدّ فهو خلق اللّه عزّ وجل » « 2 » .
واعلم أنّ كلّما أوجدتك الحواسّ فهو معنى مدرك للحواسّ ، وكلّ حاسّة تدل على ما جعل اللّه عزّ وجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كلّه واعلم أنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد ، خلق خلقا مقدّرا بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدّر ، فليس في كل واحد منهما لون ولا ذوق ولا وزن ، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بأنفسهما ، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للّذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده .
واللّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يمسكه ، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن اللّه ومشيئته ، وإنّما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم اللّه بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا .
ولو وصفوا اللّه عزّ وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا ، فلما طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
قال عمران : يا سيدي أشهد أنّه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسألة .
هامش
( 1 ) مسند الإمام الرضا ( عليه السّلام ) : 2 / 88 - 90 .
( 2 ) مسند الإمام الرضا ( عليه السّلام ) : 2 / 88 - 90 .