قال الرضا ( عليه السّلام ) : واعلم أنّه لا يكون صفة لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولا حدّ لغير محدود ، والصفات والأسماء كلّها تدلّ على الكمال والوجود ولا تدلّ على الإحاطة كما تدلّ على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس ، لأنّ اللّه عزّ وجل وتقدّس تدرك معرفته بالصفات والأسماء ، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلّة والكثرة والّلون والوزن وما أشبه ذلك ، وليس يحلّ باللّه جلّ وتقدّس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا .
ولكن يدلّ على اللّه عزّ وجلّ بصفاته ويدرك بأسمائه ويستدلّ عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ، ولا استماع اذن ولا لمس كفّ ولا إحاطة بقلب ، فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدلّ عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه ، فلو لا أنّ ذلك كذلك لمكان المعبود الموحد غير اللّه تعالى ، لأنّ صفاته وأسماءه غيره ، أفهمت ؟ قال : نعم يا سيدي زدني .
قال الرضا ( عليه السّلام ) : إياك وقول الجهّال أهل العمى والضلال الذي يزعمون أن اللّه عزّ وجل وتقدّس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب ، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود للّه عزّ وجل نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا ، ولكنّ القوم تاهوا وعموا وصمّوا عن الحقّ من حيث لا يعلمون ، وذلك قوله عزّ وجل :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
يعنى أعمى عن الحقائق الموجودة .
وقد علم ذوو الألباب أنّ الاستدلال على ما هناك لا يكون إلّا بما ههنا ، ومن أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلّا بعدا ، لأنّ