وخنق أصواتهم كان قرار الإمام زين العابدين ( عليه السّلام ) باتّباع سياسة الدعاء أنجح وسيلة لبثّ الحقائق وتخليدها ، وأأمن طريقة وأبعدها من إثارة السلطة الغاشمة ، وأقوى أداة اتّصال سرّية مكتوبة هادئة موثوقة « 1 » .
ظاهرة البكاء في حياة الإمام ( عليه السّلام ) :
تختلف دواعي البكاء عند الإنسان ، فقد يبكي شوقا إلى المحبوب ، وقد يبكي اعتراضا وصرخة في وجه النظام الغشوم ، ومن هنا يمكن تفسير وفهم ما جاء من : « أنّ البكاء على الإمام أبي عبد اللّه الحسين وسيّد الشهداء ( عليه السّلام ) من عوامل السعادة الخالدة والزلفى إلى المهيمن سبحانه » .
ولم يزل خاتم الأنبياء محمّد المصطفى ( صلّى اللّه عليه واله ) يبكيه في بيته وفي المسجد وحده تارة ومع أصحابه تارة أخرى ، ويجيب من يسأله قائلا :
« أخبرني جبرئيل بقتل ولدي الحسين في جماعة من أهل بيته وأراني التربة التي يقتل فيها » « 2 » .
مضافا إلى ما في البكاء عليه من التعريف بالقساوة التي استعملها الأمويون ولفيفهم ، ومن هنا كان الأئمّة يحثّون شيعتهم على عقد المحافل لذكر حادثة الطفّ واستدرار الدموع لكارثتها المؤلمة ، وأكثروا من بيان الأجور المترتّبة عليه إلى حد بعيد .
وغير خفيّ أنّ إكثار الإمام زين العابدين ( عليه السّلام ) من البكاء على أبيه سيّد الشهداء طيلة حياته لم يكن لمحض الرقّة والعاطفة ، بل إنّه ( عليه السّلام ) لاحظ به غاية سامية وهي تعريف الأجيال المتعاقبة الواعية لهذا الخطب الجليل وهو ( عليه السّلام )
هامش
( 1 ) جهاد الإمام السجّاد : 224 - 225 .
( 2 ) كشف الغمة : 2 / 7 - 12 .