شاهد حال بما جاء به الامويّون من القساوة والفظاعة وخروجهم عن الدين والشريعة وتنمّرهم تجاه العدل والمروءة والإنسانية . . .
لقد بكى على أبيه المدّة التي عاش فيها حتى قال له مولاه : إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين ، فقال :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني العبرة » « 1 » .
وقال له آخر : أما آن لحزنك أن ينقضي ؟ فقال ( عليه السّلام ) : « ويلك لقد شكا يعقوب إلى ربّه في أقلّ ممّا رأيت حين قال :
يا أَسَفى
ولم يفقد إلّا ابنا واحدا وهو حيّ في الدنيا وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبّحون حولي » « 2 » .
وكان ( عليه السّلام ) إذا أخذ الإناء ليشرب الماء تذكّر عطش أبيه ومن معه فيبكي حتى يمزجه من دموعه ، فإذا قيل له في ذلك يقول : « كيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي هو مطلق للوحوش والسباع » « 3 » .
وكثيرا ما كان يحدّث أصحابه بفوائد الحزن في مصابهم والبكاء على ما انتابهم من المحن فيقول : « أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين حتى تسيل على خدّه ؛ بوّأه اللّه في الجنة غرفا » « 4 » فكان صلوات اللّه عليه بإدامته البكاء على أبيه يؤجّج في الأفئدة نارا لما ارتكبه أولئك الطغاة من الجرائم والمآثم ، يأبى الحنان البشري أن يكون صاحبها إنسانا فضلا عن أن يقود امّة أو يرأس رعيّة ، وفضلا عن أن يكون خليفة في دين أو متبعا في دنيا .
وحيث لم تسعه المجاهرة بموبقات من اغتصبهم الخلافة الإلهية وجرّ
هامش
( 1 ) أعيان الشيعة : 1 / 636 ، سيرة علي بن الحسين ( عليه السّلام ) بكاءه على أبيه .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) بحار الأنوار : 46 / 108 عن مناقب آل أبي طالب : 4 / 179 و 180 وعن حلية الأولياء : 3 / 138 .
( 4 ) راجع : ثواب الأعمال : 83 .