مواجهة العدو ، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات ، لكنّه ( عليه السّلام ) ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي :
« ويلكم ! واللّه إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي ، وإنّي أظنّ إن وضعت يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جدّي ، وإنّي أقدر أن أعبد اللّه عز وجلّ وحدي ، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل اللّه لهم فلا يسقون ولا يطعمون ، فبعدا وسحقا لما كسبته أيديهم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون » « 1 » .
ومرّة أخرى ، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمام ( عليه السّلام ) بإتمام الحجّة ، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعا لآراء أصحابه ، واستخبارا لنيّاتهم ، فقد قال ( عليه السّلام ) بعد أن حمد اللّه تعالى وأثنى عليه :
« أما واللّه ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة ، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر ، فشيب السلام بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم تتوجّهون معنا ودينكم أمام دنياكم ، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم ، وكنّا لكم وكنتم لنا ، وقد صرتم اليوم علينا ، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلين : قتيلا بصفّين تبكون عليهم ، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأرهم ، فأمّا الباكي فخاذل ، وأمّا الطالب فثائر » « 2 » .
وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح ، فقال ( عليه السّلام ) :
« وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه ، وأغضضنا على القذى ، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات اللّه ، وحاكمناه إلى اللّه ؟ » « 3 » .
وأضاف الراوي : « فنادى القوم بأجمعهم : بل البقية والحياة » « 4 » .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 4 / 122 ، وتذكرة الخواص لابن الجوزي : 112 .
( 2 و 3 و 4 ) بحار الأنوار : 44 / 21 .