وإذا صح ذلك فلا ينبغي أن يستهجن حينئذ الاعتقاد بأن الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف مولود وحيّ يرزق حتى يأذن اللّه تعالى بظهوره . هذا مع الفارق بأن الاعتقاد بوجود الإمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف وولادته لا يقبل الشك عندنا ، لأن أحاديثه قطعية متواترة ، أما بالنسبة إلى أحاديث الدجال فهناك مجال لمناقشتها .
قال الشيخ الصدوق بعد ذكره لرواية حدّث فيها النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أصحابه عن الدجال وفيها « 1 » :
« . . . ثم قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأصحابه : أيها الناس ما بعث اللّه عزّ وجل نبّيا إلا وقد أنذر قومه الدجّال ، وإن اللّه عزّ وجل قد أخّره إلى يومكم هذا فمهما تشابه عليكم من أمره فإن ربّكم ليس بأعور ، إنّه يخرج على حمار عرض ما بين أذنيه ميل ، يخرج ومعه جنّة ونار وجبل من خبز ونهر من ماء ، أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب ، يدخل آفاق الأرض كلّها إلّا مكة ولابتيها ، والمدينة ، ولابتيها » « 2 » .
فعلّق الشيخ الصدوق قائلا :
إن أهل العناد والجحود يصدّقون بمثل هذا الخبر ويروونه في الدجال وغيبته وطول بقائه المدة الطويلة وخروجه في آخر الزمان ولا يصدّقون بأمر القائم عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف وأنه يغيب مدّة طويلة ، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، مع نص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السّلام بعده عليه باسمه وغيبته ونسبه ، وإخبارهم بطول غيبته إرادة لإطفاء نور اللّه عزّ وجل وإبطالا لأمر ولي اللّه ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ، وأكثر ما يحتجّون به في دفعهم لأمر الحجة عجّل اللّه تعالى فرجه الشّريف أنهم يقولون : لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه ولا نعرفها . . . فنقول لهم : أتصدّقون على أن الدجال في الغيبة يجوز أن يعمر عمرا يتجاوز عمر أهل الزمان ، وكذلك إبليس اللعين ولا تصدّقون بمثل ذلك لقائم آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع النصوص الواردة فيه بالغيبة وطول العمر والظهور بعد ذلك
هامش
( 1 ) إكمال الدين ، ج 2 ، ص 529 .
( 2 ) لابتا المدينة حرتاه ، واللابة : الحرة وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها .