حضره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلّا تبوك « 1 » ، وعلى هذا إتّفق علماء السير كما قال سبط ابن الجوزي في التذكرة « 2 » .
إذا عرفت ذلك كلّه فلا يذهب عليك أنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله : « لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي » ليس له مغزى إلّا خصوص هذه الواقعة . وليس في لفظه عموم يستوعب كلّ ما غاب صلّى اللّه عليه وآله عن المدينة ؛ فمن الباطل نقض الرجل باستخلاف غيره على المدينة في غير هذه الواقعة ؛ حيث لم تكن فيه ما أوعزنا إليه من الإرجاف ، وكانت حاجة الحرب أمسّ إلى وجود أمير المؤمنين عليه السّلام حيث لم يكن غيره كمثله يكسر صولة الأبطال ، ويغير في وجوه الكتائب ؛ فكان صلّى اللّه عليه وآله في أخذ أمير المؤمنين معه إلى الحروب واستخلافه في مغيبه يتبع أقوى المصلحتين .
ثمّ إنّ الرجل حاول تصغيرا لصورة هذه الخلافة ؛ فقال : « وعام تبوك ما كان الاستخلاف . . . » . غير أنّ نظّارة التنقيب لا تزال مكبّرة لها من شتّى النواحي :
الأولى : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ؟ » .
وهو يعطي إثبات كلّ ما للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله من رتبة ، وعمل ، ومقام ، ونهضة ، وحكم ، وإمارة ، وسيادة ، لأمير المؤمنين عدا ما أخرجه الاستثناء من النبوّة ، كما كان هارون من موسى كذلك ؛ فهو خلافة عنه صلّى اللّه عليه وآله ، وإنزال لعليّ عليه السّلام منزلة نفسه ، لا محض استعمال كما يظنّه الظانّون ؛ فقد استعمل صلّى اللّه عليه وآله قبل هذه على البلاد أناسا ، وعلى المدينة آخرين ، وأمّر على السرايا رجالا لم يقل في أحد منهم ما قاله في هذا الموقف ؛ فهي منقبة تخصّ أمير المؤمنين فحسب .
الثانية : ما صحّ عن سعد بن أبي وقّاص من قوله : واللّه لأن يكون لي واحدة
هامش
( 1 ) - الاستيعاب ( هامش الإصابة ) 3 : 34 [ الاستيعاب / القسم الثالث / 1097 ، رقم 1855 ] ؛ الرياض النضرة 2 : 163 [ 3 / 105 ] ؛ الصواعق : 72 [ ص 120 ] ؛ السيرة الحلبيّة 3 : 148 [ 3 / 133 ] .
( 2 ) - تذكرة الخواصّ : 12 [ ص 19 ] .