حال أدنى ، رفعت تلك أبناءها المتعلّقين بوثيق حبال امّها من ذروة قصوى إلى رتبة عليا ، فشتّان ما بين الأولاد والامّهات ، وبعدا للرتبتين كما بين الأرض والسماوات ، ولن يعذر معانق امّ تذيقه المكروه من حوادثها تارة في المبدأ ، وتارات مضاعفة في العقبى .
قد اغريت بتشتيت الأهل والأقرباء ، وطبعت على التفريق بين الحياة والأحبّاء ، بضروب من طوارق البلاء والغير والمحن ، وفنون من حوادث الأسقام والملاحم والفتن ، ففي كلّ سنة مرضة أو مرضتان ، وفي كلّ عام فتنة أو فتنتان .
ثمّ لا أعاين مجدّا في المثاب ، ولا مرعوبا من الكهول والشباب ، كأنّ قلوبهم صخور قاسيات ، وكأنّ أفئدتهم منخرقة بلا آذان واعيات .
هذا وأنّه دهر كلّ امرئ يومه المحدث ، وعمره من الدنيا وقته المورّث ، ومسكنه منها وسع مضجع جثّته ، وقوته من مآكلها مسدّ جوعته ، وهو في سربه وعقر منزله وحشد أهله ، كالوحيد المفرد الغريب ، لأنّ كلّ منفوس موفد بالرحيل من الدنيا فهو على ذلك في صفة الحذر المطلوب ، ألا فاعتبروا يا أولى الأبصار ، واذكروا يا أولى النفاسة والأخطار .
أمّا بعد : حماك اللّه من درك الرين ، وأورثك برحمته خير المحلّين ، فإنّه حرّكني لتأليف ملاحم الفتن ، في اختلاف الكلمة ، وافتراق الامّة ، ووثوب الأتباع على الرؤساء ، وظهور الزعارة « 1 » على أهل التقوى والامناء ؛
كتاب صدر إليّ بالأمس ظلّ يذكر فيه أنّ مخافتك من انزعاجك عن وطنك ، واشتغالك بالفكرة في ارتياد وطن دائم المنعة من الوصول إلى مهجتك ومالك وولدك ، وجميع أسبابك ، قد كاد يحول بينك وبين الرضا والتسليم لمقدور اللّه العظيم .
هامش
( 1 ) أهل الزعارة : العيّارون الذين يترددون بلا عمل ، ويخلّون النفس وهواها .