على هذه الجملة أن ينهى الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير والبدل ، بأن يقبح كلّ واحد منهما بشرط عدم الآخر ، فلا يمكن القول بقبحهما جميعا على الإطلاق ، لأنّ الاشتراط الّذي ذكرناه يقتضي أنّهما متى وجدا لم يقبح واحد منهما ، ومتى وجد أحدهما قبح لا محالة .
فالنّهي عن المختلفين - إذا صحّ ما ذكرناه - على سبيل التخيير صحيح جائز وليس يجري المختلفان في هذا الحكم ، مجرى الضّدّين ، لأنّ كلّ واحد من الضّدّين متى وجد ، وجب عدم الآخر ، وما يجب ( لا محالة ) « 1 » يبعد كونه شرطا في قبحه ، وهذا في المختلفين أشبه بالصّواب ، وكذا المتماثلان . « 2 »
واعلم أنّ بعضهم منع من تحريم أحد الأمرين لا بعينه ، وهو خطأ لإمكانه ، مثل : « لا تكلّم زيدا أو عمرا فقد حرّمت عليك كلام أحدهما لا بعينه ، ولست أحرّم عليك الجميع ، ولا واحدا بعينه » .
وهذا أمر معقول لا شكّ فيه .
احتجّ : بأن « أو » في النّهي للجمع دون التخيير ، كقوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
« 3 » .
وليس بشيء ، لأنّ التّعميم هنا من خارج ، لا من الآية .
هامش
( 1 ) . ما بين القوسين يوجد في المصدر .
( 2 ) . الذريعة إلى أصول الشريعة : 1 / 178 - 179 .
( 3 ) . الإنسان : 24 . قال القرّافي في نفائس الأصول : 2 / 419 : ونقل عن المعتزلة احتجاجهم بقوله تعالىوَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراًفالواجب ترك الجميع ، وأجاب بأنّ ذلك من الإجماع لا من اللّفظ .