وأمّا من جهة الحكم ، فلأنّ المجعول في القاعدة هو البناء العملي على ثبوت المتيقن في زمان اليقين ، وفي الاستصحاب هو البناء العملي على ثبوت المتيقن في زمان الشك ليصدق التعبد في مرحلة البقاء كصدقه في مرحلة الحدوث في القاعدة ، فالقاعدة والاستصحاب مما لا يكون بينهما جامع بل يكون بينهما التباين في الجهات الأربع المذكورة ، فلا يمكن أن تشملهما الأخبار ، بل لا بد من دلالة الأخبار على إحدى هاتين القاعدتين ، وحيث إنّ موردها الاستصحاب فلا تنطبق إلّا على الاستصحاب ، ولا بد من التماس دليل آخر على اعتبار القاعدة .
[ الأمر الثالث : تقديم الأمارة على الاستصحاب ]
الأمر الثالث : لا خلاف كما قيل في تقدم الأمارات على الأصول ، فإذا كانت أمارة على خلاف ما يقتضيه الاستصحاب يقدمونها عليه ولا يعتدون بالاستصحاب ، وكذا في الأمارة الموافقة لمقتضى الاستصحاب ، فإنهم يجعلونه كالعدم ويعملون بالأمارة ، ولا يعاملون مع الأمارة المخالفة معاملة التعارض إلّا المحقق القمي قدّس سرّه « 1 » فإنّه على ما حكي عنه يعامل معهما معاملة التعارض ويقدم الأرجح منهما على الآخر ، ومع التكافؤ يرجع إلى التخيير أو الأصل .
[ ما قيل من وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب ]
وكيف كان فيقع الكلام في وجه ما هو المشهور بينهم من تقديم الأمارة موافقة كانت أم مخالفة على الاستصحاب ، وقيل في وجهه أمور :
[ الأول : أنّ المراد من العلم هو الحجة ]
أحدها : أنّ العلم الذي أخذ غاية للأصول يراد به الحجة سواء كانت حجة عقلية كالعلم أم تعبدية كالأمارات ، فاليقين في قولهم عليهم السّلام : « ولكن انقضه بيقين آخر » كناية عن الحجة ، فغاية الأصول الرافعة لها هي مطلق الحجة ، فالأمارة المخالفة حجة يرفع اليد بها عن الأصل .
لا يقال : إنّ الأصل أيضا حجة شرعية في قبال الأمارة المخالفة له ، فلا وجه
هامش
- اختلافهما في الجهتين الأوليتين ، بل في طولهما ومن لوازمهما .
( 1 ) القوانين 2 / 75 .