وإن قيل : إنّ قيام الحجّة على وجوب شيء يوجب إحداث مصلحة في ذلك الشيء وإن لم يكن واجبا ، وقيامها على حرمة شيء يوجب إحداث مفسدة في ذلك الشيء وإن لم يكن حراما .
لكن تصديق هذا الكلام - مع أنّه القول بالتصويب المعتزلي المجمع على بطلانه ، وإلّا يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين إن لم يرفع اليد عن الحكم الواقعي ، ومع رفع اليد لزوم التصويب معلوم - معناه عدم وجود التجرّي أبدا ؛ لأنّ الحكم الواقعي بناء على هذا ليس إلّا مؤدّى الحجج والأدلّة ، كما هو قول المصوّبة .
إن قلت : نحن لا نقول بأنّ قيام الحجّة من علم أو علمي يوجب حدوث المصلحة أو المفسدة ؛ كي يلزم هذا المحذور - أي التصويب أو اجتماع الضدّين أو المثلين - بل نقول مخالفة الحجّة القائمة غير المصادفة للواقع ، الذي هي عبارة عن التجرّي توجب حدوث مفسدة في الفعل الذي يتحقّق به المخالفة ، أو في الترك ، الذي يكون كذلك ، ويستتبع تلك المفسدة الحرمة الشرعية .
قلنا : لا شكّ في أنّ المخالفة للحجّة لو كانت موجبة لحدوث المفسدة فيما يتحقّق به المخالفة في الحجّة غير المصادفة للواقع تكون موجبة في المصادفة أيضا بطريق أولى ؛ لأنّ مخالفة اليقين أشدّ وأعظم من مخالفة الجهل المركّب ، ولا أقلّ من التساوي بينهما .
فحينئذ يلزم في مورد مخالفة الحجّة القائمة على الحرام الواقعي اجتماع مفسدتين تستتبع كلّ واحدة منهما حرمة شرعية ، فيلزم اجتماع المثلين .
ولا يمكن القول بالتأكّد ؛ لاختلاف الرتبة في المفسدتين والحكمين ؛ لأنّ إحداهما في الرتبة السابقة على العلم ، والأخرى متأخّرة عنه وعن مخالفته .
إن قلت : فبناء على هذا لا يلزم اجتماع الضدّين أو المثلين أيضا ؛ لاختلاف الرتبة .
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 52
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٥٢