وهكذا إذا شكّ في بقاء حلّية شرب العصير التمري أو الزبيبي بعد الغليان وقبل أن يذهب ثلثاه يستنتج بقاء حلّيته بالاستصحاب ، إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة في جميع أبواب الفقه .
وهذا المعنى - أي كون الاستصحاب من المسائل الأصولية - ليس مخصوصا بأن يكون مستفادا من الأخبار ، وبأن يكون من الوظائف العملية التي حكم الشارع بها في ظرف الشكّ في بقاء المتيقّن السابق ؛ حكما كان أو موضوعا ذا حكم شرعي ، بل هو كذلك بناء على القول بكونه حجّة من باب الظنّ بالبقاء ؛ لأنّه حينئذ يكون حاله حال سائر الأمارات الظنّية التي جعلها الشارع حجّة ، ولو كان من باب بناء العقلاء على حجّيته وعدم ردع الشارع عنه .
بل كونه من المسائل الأصولية بناء على حجّيته من باب إفادة اليقين السابق الظنّ بالبقاء أوضح ؛ لأنّه بناء على هذا يقع في طريق الاستنباط الحكم الشرعي ، ويكون حاله حال الخبر الواحد ، الذي هو حجّة الذي لا كلام في أنّه من المسائل الأصولية ، وعليه يدور رحى الاستنباط .
ولا يخفى : أنّ ما قلنا من كون الاستصحاب مسألة أصولية هو فيما إذا كان في الأحكام الكلّية ، وأمّا في الموضوعات الخارجية فهو من القواعد الفقهية .
وأمّا عدّه من المسائل الأصولية باعتبار أنّ الضابط في كون المسألة أصولية أن يكون لها دخل في الاستنباط فغير تامّ :
أمّا أوّلا : فلأنّه لا حاجة إلى هذا التكلّف بعد أنّه على كلا القولين يقع كبرى في قياس يستنتج منه الحكم الشرعي ، وهو الضابط الصحيح كما بيّناه .
وثانيا : أنّه لو كان مناط أصولية المسألة هذا المعنى يلزم دخول كثير من مسائل العلوم العربية ، بل وسائر العلوم أيضا في علم الأصول ، والإذعان بهذا
منتهى الأصول ( طبع جديد ) — صفحة 497
مساهمون: السيد البجنوردي
ص٤٩٧