فلو بدّله بقوله ولك ان تتعسّف في كلماتي بحيث ترجع إلى ما ذكروه لكان أولى ان قلت مقتضى ما ذكرت من امتياز العلوم بامتياز الموضوعات ان يكون علم النّحو مثلا علمين مستقلين لأنّ المعرب والمبنى عنوانان متغايران وكذا الصّرف لتغاير عنواني الصّحيح والمعتلّ والطّب لتغاير المرض والصّحة قلت قد مرّ ان تقابل شيء بشيء لا يتصوّر الّا في جهة جامعة بينهما باعتبارها يتقابلان ألا ترى انّ الفوق والأمام لا يتقابلان وانّما يتقابل الفوق مع التّحت والأمام مع الخلف وذلك لأنّ الفوق والأمام لا جامع بينهما وأحدهما اجنبىّ عن الأخر بخلاف الفوق والتّحت فانّهما طرفان لجهة واحدة أحدهما بحذاء الأخر في هذه الجهة وهي الجامعة بينهما لأنّها امّا فوق وامّا تحت ولا يصحّ لك ان تقول وامّا امام إذ تلك الجهة لا تصدق على امام وكذا الحيض والطّهر طرفان لحالة واحدة في المرأة وهذه الحالة لا تخلو عن هذين امّا طهر أو حيض وهي غير متحقّقة في الرّجل ولذا لا يتّصف بشيء من طرفيها فالرّجل لا حائض ولا طاهر بهذا المعنى كما انّ الحجر والشّجر لا حائضان ولا طاهران وذلك لخروجهما عن الجامع فلا يصدق عليهما شيء من طرفيه فالقرء موضوع لتلك الجامعة فلا اشتراك لفظا وقد لا يوضع بإزائه لفظ مخصوص كما هو الغالب فيعبّر عنه ح بذكر طرفيه كأمثال ما نحن فيه فانّ قولهم موضوع علم الطبّ هو حال بدن الإنسان من حيث الصّحة والمرض يريدون به الجامع بينهما وهي الحالة المتحيّثة بالحيثيّتين اللّتين هما طرفاها وكذا قولهم موضوع علم النّحو الكلمة من حيث الأعراب والبناء اى حالها المتحيّثة بالحيثيّتين وكذا قولهم موضوع الصّرف هي من حيث الصّحة والاعتلال وكذا قولهم موضوع الفقه هو فعل المكلّف من حيث الاقتضاء والتّخيير فانّ المراد من الجميع هو العنوان المنتزع من الحيثيّتين اللّتين هما حدّاه وطرفاه وهو الجامع الّذى به حصل التّقابل بينهما لصدقه عليهما واتّحاده معهما على التّبادل الّذى هو معنى التّقابل بين الشّيئين فالموضوع في كلّ فنّ امر وجداني لا تعدّد فيه باعتباره يعدّ فنّا واحدا والّا لتعدّد العلم وهو بديهىّ البطلان
[ في كلام المشهور في موضوع علم الأصول ]
إذا عرفت ذلك فاعلم انّ موضوع هذا العلم على المشهور هو الأدلّة الأربعة من حيث انّها ادلّة ومرجع ذلك إلى كون الموضوع هو عنوان الدّليل المنطبق عليها وانحصار ما ينطبق عليه الموضوع بحسب الخارج في الأربعة من باب الاتّفاق حيث اتّفق في الخارج عدم امكان التّوصّل إلى الاحكام الشّرعيّة بغير هذه الأربعة لا لخصوصيّة فيها دخيلة في الموضوعيّة والّا فلو اتّفق امر خامس أو سادس مثلا يمكن التّوصّل به إلى الحكم الشّرعى كان معدودا من جملتها وحيث فرض كون الموضوع هذا العنوان فلا بد ان يرجع جميع مباحث الأصول إلى البحث عن العوارض الذّاتيّة لهذا العنوان وشيء من مسائله لا يوزن بهذا الميزان الّا التّعادل والتّراجيح وهو على المشهور ليس معدودا من المقاصد وانّما يذكرونه خاتمة لها توضيح ذلك انّ مسائل هذا الفنّ لا تعد وأمورا منها مباحث الألفاظ ولا ريب انّ نظر البحث فيها مقصور على معرفة مفادها