من تصديق [ بنسبة بواسطة تصديق آخر ] بنسبة أخرى تصديقا ثالثا بنسبة ثالثة فإذا عرفت ذلك علمت انّ قول المقلّد هذا ما أفتى به المفتى وكلّ ما أفتى به المفتى فهو حكم اللّه في حقّى ليس من الاستدلال في شيء إذ المقلّد ليس له الا تصديق بشيء واحد وهو نفوذ فتوى المجتهد في حقّه الّذى هو مضمون قوله كلّ ما أفتى به المفتى فهو حكم اللّه في حقّى وقد علم به من الضّرورة وامّا قوله هذا ما أفتى به المفتى فليس الّا تطبيق الكلّى على الفرد وهو تصوّر محض وإن كان في صورة التّصديق نظير ما عرفت في هذا انسان ومرجعه إلى تصوّر موضوع الحكم الكلّى الّذى كان عالما به ومعرفة انّ هذا الجزئي من جزئيّات ذلك المعلوم الكلّى وان ذلك الحكم الكلّى منطبق على هذا المورد وامّا قوله فهذا حكم اللّه في حقّى فليس تصديقا جديدا بنسبة أخرى فان نفوذ هذه الفتوى بعينه هو الّذى كان عالما به في ضمن الكلّية من الضّرورة لا انّ حكم هذه الفتوى امر وراء حكم الكلّيّة وكان التّصديق به غير حاصل له فحصل له ذلك من التّصديق بحكم الكلّيّة كما هو واضح « 1 » بعد التّنبيه فهو من قبيل قولك هذا خمر وكلّ خمر حرام وهذا فاعل وكلّ فاعل مرفوع وغير ذلك ممّا هو مؤلّف من تصوّر وتصديق فانّ التّصديق بحرمة افراد الخمر حتّى المشار اليه حاصل من اوّل الأمر في ضمن العلم بالكلّيّة وقولنا هذا خمر ليس الا تصوّرا بمعرفة خمريّته وقد يكون التّاليف من تصوّرين ولا يكون تصديق أصلا كقولك هذا انسان وكلّ انسان حيوان ناطق وهذا حيوان وكلّ حيوان جسم فان شيئا من أمثال ذلك ليس برهانا ولا استدلالا وان كان في صورته لما ذكرنا من وجوب كون المقدّمتين في القياس تصديقا كما بيّناه في الأمر الاوّل وهو مفقود في المذكورات ولما عرفت من وجوب وجود علاقة العلّيّة بين الأوسط والأكبر في الدّليل كما بيّنّاه في الأمر الثّانى وهو مفقود في المذكورات ضرورة عدم العلّيّة بين الفتوى ووجوب الاخذ بها وبين البول ونجاسة وبين الخمر وحرمته وبين الفاعل ورفعه وانّما النّسبة بينهما نسبة الموضوعيّة والمحموليّة ومن البديهىّ عدم كون كلّ موضوع علّة لمحموله ولا يعقل دليل بلا علاقة العلّيّة فلا تغرّنّك الصّورة ألا ترى ان مثله يوجد في البهائم أيضا فانّها بمقتضى الطّبع تدرك لزوم الفرار من العدوّ فإذا احتسب يفرد منه وعرفه انّه عدوّ فرّ منه فينتظم لك هنا قضيّتان إحداهما على شكل الصّغرى والأخرى على شكل الكبرى وهما قولك هذا عدوّ وكلّ عدوّ يجب الفرار منه فهل تجد من نفسك ان تعتقد كون البهائم من أهل النّظر والاستدلال فان اعتقدت ذلك فيها فاعتقد كون العامي المقلّد أيضا مثلها وثالثا انّ اخراج المقلّد بقيد التّفصيليّة فاسد وينحلّ ذلك إلى فسادين أحدهما انّه لم يكن داخلا في الجنس وهو العلم بالحكم حتّى يحتاج إلى اخراجه بالقيود لما عرفت انّ المقلّد لا يتحقّق له التّصديق بالحكم والا كان مستنبطا مجتهدا وخرج عن كونه مقلّدا فالمقلّد لا يستنبط حكما من احكام الوقائع من فتوى المجتهد وانّما هو يعمل بها كعمل نفس المجتهد بها فانّ الاستنباط مرحلة والعمل بالاستنباط مرحلة أخرى فكما انّ المجتهد لا يستنبط حكما من استنباطه فكذا المقلّد لا يستنبط
هامش
( 1 ) ضرورة انّ الدّليل على حرمة هذا الخمر بخصوصه هو الدّليل على حرمة كلى الخمر من الآيات والاخبار لا انّ دليل الحكم العقلي هي الاخبار والآيات ودليل الجزئيّات هي القضيّتان ضرورة انّ حكم الجزئيّات ليس مغاير الحكم الكلى كما هو واضح