عدم الردع للبناء الفعلي يكفي في إحراز رضى الشارع وتنفيذه له .
توضيحه : أنّه لا شكّ في أنّه لم يكن بناء الشارع في تبليغ الأحكام وهداية الأنام إلّا على التوسّل بالطرق العقلائيّة والأمور العاديّة ، ولم يكن بناءه في مقام بيان الأحكام على الرجوع إلى علمه بالمغيبات وتبليغ الأحكام حسب ما يعطيه ذلك العلم .
وحينئذٍ : فليس دعوانا أنّ الشارع كان عليه أن يردع عن هذه الطريقة الفعليّة لو كانت غير مرضيّة له راجعة إلى أنّه لأجل كونه عالماً بالمغيبات لا بدّ له الردع أو الإمضاء بالنسبة إلى الأمور المستقبلة والمتأخّرة عن زمانه ، وإذا لم يردع يكشف ذلك عن رضاه بذلك .
بل نقول : إنّ هذه المسألة وهي الاجتهاد والاستنباط والرجوع إلى العالم بهذا النحو المعمول المتغاير لما كان متحقّقاً في الزمان السابق ممّا يقتضي طبع الأمر حدوثها في هذه الأزمنة ، بحيث لم يكن حدوثها مخفيّاً على العارفين بمسألة الإمامة وأنّه يغيب الثاني عشر من شموس الهداية مدّة طويلة عن أعين الناس وأنظار العامّة ، بحيث لا يكاد يمكن لهم الرجوع إليه والاستضاءة من نور الولاية ، وفي ذلك الزمان لا بدّ للناس من الرجوع إلى علمائهم والاستفتاء منهم مع شدّة اختلافهم بحيث قلّما يتّفق اتّحاد فتوى فقيه واحد في كتبه المختلفة ، بل في جميع المواضع من كتاب واحد ، فضلًا عن اتّحاد فقيهين أو الفقهاء منهم ، وكما أنّ أصل غيبة الإمام عليه السلام واضطرار الناس إلى الرجوع إلى فقهائهم كان معلوماً في زمان الأئمّة عليهم السلام لخواصّ أصحابهم ، فضلًا عن أنفسهم ، كذلك وجود هذا الاختلاف الكثير وشدّة الشقاق وكثرة الآراء والأقوال في زمان الغيبة كان معلوماً لديهم أيضاً ، بل يمكن أن يقال - كما هو الظاهر - إنّهم عليهم السلام
معتمد الأصول — صفحة 445
مساهمون: السيد الخميني
ص٤٤٥