وأمّا المطلق فدلالته على الإطلاق ليست دلالة لفظيّة ، ضرورة أنّ اللفظ الدالّ عليه لا يكاد يتخطّى عن المعنى الذي وضع له ، سواء بقي على إطلاقه أو قيّد ، بل الإطلاق إنّما ينشأ من عدم الإشارة إلى القيد مع كون المطلق بصدد البيان ، والتقييد إنّما ينافيه من حيث إنّه يذكر القيد ويأتي به .
فاحتجاج العبد على المولى في باب المطلقات إنّما يرجع إلى أنّه لم يقيّد موضوع حكمه مع كونه فاعلًا مختاراً ، وفي باب العمومات يرجع إلى أنّه لم يقل بخلاف العامّ ، إلّا أنّ هذا الاختلاف لا يوجب الفرق بينهما في مقام تعارض العامّ والمطلق بحيث يكون العامّ أقوى من حيث الدلالة ، كما لا يخفى .
نعم قد ذكرنا « 1 » غير مرّة أنّ اللفظ المطلق لا يدلّ إلّا على مجرّد نفس الطبيعة ، وانطباقها في الخارج على كلّ واحد من أفرادها لا يوجب دلالة اللفظ الموضوع لنفس الطبيعة على الأفراد والكثرات أيضاً ، فإنّ للدلالة مقاماً وللانطباق مقاماً آخر ولا ربط بينهما ، فماهيّة الإنسان وطبيعتها وإن كانت تنطبق على زيد وعمرو وغيرهما من مصاديق هذه الحقيقة ، إلّا أنّ لفظ الإنسان الموضوع لتلك الماهيّة لا دلالة له على هذه الكثرات أصلًا ، ولعمري أنّ هذا واضح جدّاً .
ولا فرق في ذلك بين ما إذا تمّت مقدّمات الحكمة المنتجة لثبوت الإطلاق ، وبين ما إذا لم تتمّ ، لعدم كون المولى في مقام البيان مثلًا ، بل كان في مقام الإهمال والإجمال ، فإنّ الإطلاق وضدّه إنّما يلاحظان بالنسبة إلى
هامش
( 1 ) - تقدّم في الجزء الأوّل : 339 .