ومن الثاني : المتزاحمان في مقام الامتثال ؛ فإنّ التخيير فيهما إنّما هو لأجل أنّ المجعول في باب التكاليف معنى يقتضي التخيير في امتثال أحد المتزاحمين ، لأنّه يعتبر عقلًا فيها القدرة على الامتثال ، وحيث لا تكون القدرة محفوظة في كليهما فالعقل يستقلّ بالتخيير ، والفرق بين التخيير في هذا القسم والتخيير في القسم الأوّل أنّ التخيير هناك ظاهري وهنا واقعي .
إذا عرفت ذلك نقول : إنّ القول بالتخيير في باب الأصول لا شاهد عليه لا من ناحية الدليل والكاشف ، ولا من ناحية المدلول والمنكشف .
أمّا انتفاء الأوّل : فواضح ، فإنّ دليل اعتبار كلّ أصل من الأصول العمليّة إنّما يقتضي جريانه عيناً ، سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه .
وأمّا انتفاء الثاني : فلأنّ المجعول في باب الأصول العملية ليس إلّا الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل بما أنّه الواقع أولا بما أنّه كذلك على اختلاف الأصول ، ولكنّ الحكم بذلك ليس على إطلاقه ، بل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة ، وهي الجهل بالواقع ، وإمكان الحكم على المؤدّى بما أنّه الواقع ، وعدم لزوم المخالفة العملية ، وحيث إنّه يلزم من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عمليّة فلا يمكن جعلها جمعاً ، وكون المجعول أحدها تخييراً وإن كان بمكان من الإمكان ، إلّا أنّه لا دليل عليه لا من ناحية أدلّة الأصول ولا من ناحية المجعول فيها « 1 » ، انتهى .
وفي هذا الكلام وجوه من النظر :
منها : أنّ ما ذكره - من أنّ التخيير في القسم الأوّل إنّما هو من ناحية
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول ( تقريرات المحقّق النائيني ) الكاظمي 4 : 28 - 31 .