فما ذكره صاحب الكفاية - وتبعه بعض من أجلّاء تلامذته « 1 » - من أنّ هذه الأقسام إنّما هي بلحاظ كيفيّة تعلّق الأحكام ، وإلّا فالعموم في الجميع بمعنى واحد وهو الشمول ، ممّا لا يصحّ أصلًا ؛ فإنّ الجمع بين ذلك وبين كون كلّ واحد منها مدلولًا عليه بلفظ غير ما يدلّ على الآخر - كما اعترف في حاشية الكفاية « 2 » - مستبعد جدّاً ؛ فإنّ دلالة الألفاظ على ما وُضعت بإزائها لا يرتبط بباب تعلّق الأحكام أصلًا ، كما هو واضح لا يخفى .
ثمّ إنّ هذا التقسيم لا يجري في باب الإطلاق أصلًا ؛ ضرورة أنّ معنى الإطلاق هو مجرّد كون المذكور تمام الموضوع لحكمه المجعول بلا مدخليّة لشيء آخر ، فقوله : جئني برجل ، لا يفيد إلّا مجرّد كون الغرض مترتّباً على مجيء الرجل ، وأمّا شموله لجميع ما يصدق عليه والتخيير بينه فهو حكم عقلي مترتّب على تعلّق الحكم بنفس الطبيعة ، لا أنّه يستفاد من الكلام هذا النحو من الإطلاق .
والدليل على ذلك أنّه لو كان المستفاد من الكلام الإطلاق الذي يسمّونه بالإطلاق البدلي ، لكان قوله بعد هذا الكلام : « أيّ رجل » تأكيداً لاستفادة مضمونه من قوله : جئني برجل ، مع أنّه ليس كذلك بداهة ، بل إنّما هو تصريح بما يحكم به العقل بعد تعلّق الحكم بنفس الطبيعة من التخيير بين أفرادها .
ولا يتوهّم أنّه تصريح بالإطلاق ؛ فإنّ معنى التصريح به هو أن نقول : إنّ تمام الموضوع الحكمي هو الرجل مثلًا من دون قيد لا أن نقول بما يحكم به العقل بعد استفادة الإطلاق ، فتدبّر .
هامش
( 1 ) - مقالات الأصول 1 : 430 .
( 2 ) - كفاية الأصول : 253 .