Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 435

Contributors:

P.435
مدخلية فيه قبل حكم الشرع أو بعده فالمفهوم المذكور هو القدر الجامع بين المعنيين وإن كان القيد المذكور باعثا على اختلاف الأمرين حسبما ذكر هنا والمأخوذ في محل النزاع هو القدر المذكور وهو كاف في المقام ويمكن أن يجعل النزاع في إثبات الحسن والقبح العقليين ونفيهما فيكون تفسير الأشاعرة لهما بما فسر مبنيا على مذهبهم بعد بنائهم على نفي العقليين فتأمل المقام الثاني في بيان حجج العدلية على ثبوت الحسن والقبح العقليين وإدراك العقل في الجملة لكل من الأمرين ولهم في ذلك متمسكات من العقل والنقل أما الأول فمن وجوه أحدها على أن حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان مما يشهد بهما في الجملة ضرورة الوجدان ولذا يحكم به الفرق المنشعبة من صنوف الإنسان حتى منكري الشرائع والأديان بل ربما لم يخف الحال في بعض مصاديقه على الإنسان من الحيوان فإن الحكم بحسن الإحسان على بعض المضطرين ممن كان له الحاجة والإنعام عليه بما يحفظ جنايته عند الوقوع في المهلكة كقبح فعل من جازاه بعد ذلك بكمال الإساءة وقابل صفة الجميل على قدر تمكنه من الإيذاء والإهانة من الضروريات الأولية والفطريات الجلية بحيث لا يخف الفرق بين الأمرين في استحقاق المدح والذم على أحد من البرية ولا يتوقف فيه من كان على الغريزة الإنسانية ألا ترى أن من صادف رجلا منقطعا عن الرفعة وقد بقي منفردا في مهمة تفر في شدة من الحر بلا زاد ولا راحلة ولم يعرف طريقا إلى نجاته ولا حيلة وقد غلب عليه حينئذ الحر والعطش بحيث لم يبق له قوة على النهوض والحركة وقد بقي طريحا على الرمضاء يظهره الشمس السماء وانقطع عنه الرجاء بالبقاء وأيقن بالموت والفناء قد غلبه الإغماء لما ألفي من التعب والنصب والعناء فلما وافاه أقبل عليه بكله ورفع رأسه في حجره ومسح التراب من وجهه وكان أشفق عليه من أبيه وأمه ويضع الماء شيئا فشيئا في حلقه وقد أظله عن الشمس بنفسه إلى من غشوته وتقوى مما كان فيه من شدة ضعفه فأخذه من ذلك المكان وأتى به إلى منزله فمهد له الموائد وسقاه من الزلال البارد وأنعم عليه غاية الإنعام وأكرمه فوق ما يتوقع عليه من الإكرام وأخدمه أهله وعياله ومن له من الخدام إلى أن زال ما كان فيه من التعب وارتفع عنه ما لفي من النصب أعطاه زاد وراحلة ورفع إليه سلاحا ليتمكن من دفع عدوه وشبعه إلى أن يوصله إلى طريقه ودله إلى ما كان يرونه من مقصده ولم يفعل به كل ما ذكر من الجميل إلا لمجرد دفع الضرر عن المضطرين من غير أن يقصد به مجازاة أو شيئا آخر ثم إن ذلك الرجل لما رأى حينئذ قوة نفسه وانفراد صاحبه وتمكن من قهره كر عليه بسلاحه وأخذه جميع ما عنده ثم قابله بأنواع البلاء من الشتم والضرب والجرح والإيذاء إلى أن صرعه على الأرض في أشد الحال وأسوإ الأحوال ثم عاد إلى أهله وعياله فهتك عرضه وأخذ من أمواله ما قدر على أخذه وأحرق ما لم يقدر عليه إلى غير ذلك من أنواع الاضطرار والإيذاء والإهانة كل ذلك من غير ضرورة داعية إليه أو شدة حاجة أو اضطرار باعث عليه أو عداوة سابقة تدعو إليه بل لمحض مقابلة الإحسان بالإساءة ومجازاة النعمة بالنقمة فأي عاقل يحكم بتساوي الفعلين في استحقاق المدح والذم وترتب الثناء واللوم أفيجوز في عقل من العقول الحكم بمساواة الصفتين وتساوي ذينك الشخصين ما أتيا به من الفعلين إلى أن يرد الشرع بمدح أحدهما وذم الآخر مع تساوي نسبة مدحه وذمه إلى الأول والآخر ليكون حسن أحد الفعلين وقبح الآخر بمجرد مدحه وذمه من غير ملاحظة شيء آخر غيره وهو كما ترى أوضح البطلان من أن يخفى على ذهن من الأذهان حتى النسوان والصبيان ومما ينادى بضرورة إدراك العقل استحقاق المدح على بعض الأفعال والذم على بعض إطباق العقلاء على المدح على جملة من الأفعال والذم على جملة أخرى ولذا يحكمون بحسن عقوبة السيد عبده إذا عصاه ويذمونه على عصيانه مولاه ويمدحونه إذا رأوه ممتثلا للأوامر ومنتهيا عما نهاه ويذمون المولى إذا رأوه بغير ما يستحقه ولا زالت العلماء والخطباء في سائر الأعصار والأزمان والبلدان وينهون الناس بمقتضى ضرورة العقل على بعض الأفعال وقبح بعضها وعدم إقدام الفاعل على ترك بعضها كحسن طاعة المنعم الحقيقي وقبح معصيته سيما إذا علم بما يترتب على الأمرين من المثوبات الجزيلة والعقوبات الشنيعة فإن ضرورة العقل قاضية بحسن الإتيان في الأول وقبح الإقدام على الثاني مع قطع النظر عن ملاحظة ما ورد فيه من الشرع ومما ينبه على ذلك أيضا لو خير العاقل بين الصدق والكذب مع تساويهما في النفع والضرر وسائر الجهات الخارجية لاختار الصدق على الكذب وليس ذلك إلا لحسنه إذ لا سبب غيره مما يتوهم من استواء الصدق والكذب من جميع الجهات ومجرد فرضه غير نافع مع انتفائه في الواقع إذ لا أقل من الاختلاف بينهما في المطابقة واللامطابقة ومن أنه لا يستلزم أن يكون إيثار الصدق من جهة حسنه بالمعنى المعروف أو قبح الكذب كذلك بل ليس ذلك إلا من جهة كون الكذب نقصا أو لكونه منافرا للطبع بخلاف الصدق فلا يفيد ذلك ثبوت الحسن أو القبح بالمعنى المتنازع فيه مدفوع أما الأول فلأن المفروض استواؤهما في المصالح والمفاسد وسائر الجهات الموافقة للغرض والمخالفة لا في مطلق الصفات إذ لا فائدة في اعتباره في المقام ومن البين إمكان استوائهما فيما فرض في كثير من الأحيان وأما الثاني فلأنه من البين أن شيئا من الكذب والصدق من حيث هو لا موافقة فيه للطبع ولا منافرة سيما مع تحقق ما فرض من المساواة في الآثار ولذا إذا ميز من غير المميز لم يوجد اختلاف بينهما أصلا مع أن مخالفات الطبع مما يدركه غير المميز في الغالب فليست الموافقة والمخالفة في المقام إلا العقل وهو ملزوم الحسن والقبح العقليين لملائمة العقل للأمور المحسنة وتنفرد من الأمور المستحقة كما هو الشأن بالنسبة إلى سائر الحواس بالنسبة إلى ما يلائمها وينفر عنها وصفة الكمال والنقص أن ثبت حصولها في الأفعال فليس إلا من جهة الحسن أو القبح إذ ليس الفعل المتصف بالكمال إلا ما يمدح فاعله والمتصف بالنقص ليس إلا ما يذم فاعليه وقد اعترف به صاحب المواقف حيث أورد على أصحابه المستدلين على امتناع الكذب عليه تعالى بكونه صفة نقص والنقص عليه محال بالإجماع قائلا أنه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه فيها وإنما يختلف العبارة كما ترى بمنزلة اعترافه بالحق لإقرار أصحابه كما هو مقتضى الضرورة من كون الكذب واعترافه يكون ذلك