Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 432

Contributors:

P.432
إدراك العقل إذ لا حسن ولا قبح عندهم للأفعال مع قطع النظر عن حكم الشرع فلا حكم للعقل في التحسين والتقبيح أصلا ولا حسن ولا قبح عندهم مع قطع النظر عن حكم الشرع بل كان الأفعال عندهم سازجة قابلة لكل من الأمرين بواسطة أمر الشارع ونهيه فهي في نفسها مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي بها خالية عن الصفتين فاقدة للأمرين وأما الجماعة المذكورة فلا يظهر منهم إنكار الحسن والقبح الواقعيين على ما يقوله الأشاعرة بل الظاهرة اعترافهم به كما هو مذهب العدلية ودلت عليه النصوص المستفيضة بل المتواترة في الجملة وإنما ينكر جماعة منهم صحة إدراك العقل في غير ضروريات الدين والمذهب وبعضهم ينكر المطابقة بين حكم العقل وما حكم به الشرع وإن كان العقل مطابقا لما هو الواقع فلا تعد الحكم شرعيا ويحكم بوجوب الأخذ به ما لم يرد الحكم به من الشرع حسب ما يأتي تفصيل القول في نقل أقوالهم وأدلتهم إن شاء الله وإنما ينكرون حجية إدراك العقل أو وقوع التعبد به في الشرع على ما يأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله وتوضيح المقام أن الكلام في المرام يقع في مقامات أحدها أنه هل يثبت للأشياء مع قطع النظر عن حكم الشرع وتعلق خطابه بها أحكاما عقلية من حسنها وقبحها ليكون حكم الشرع على وفق مقتضياتها كاشفة عن تلك الصفات الواقعية الحاصلة لهما فيكون تشريعه للشرائع من جهة إرشاده العباد إلى ما فيه صلاحهم وتحذرهم عما يترتب عليه فسادهم لقصور عقلهم عن إدراك ما فيه هلاكهم ونجاتهم أو أنها لا حكم لها بملاحظة أنفسها مع قطع النظر عن أمر الشارع بها أو نهيه عنها فهي حسنة بأمره قبيحة بنهيه خالية عن الأمرين مع انتفاء الخطابين وهذا هو الذي ذهب إليه الأشاعرة والظاهر مما حكاه إنكارهم للحسن والقبح بالمعنى الأول بعد خطاب الشرع أيضا وإنما حسنها وقبحها عندهم هو مجرد كونها متعلقة لأمر الشارع ونهيه من غير استحقاق مدح العقل على الامتثال أو ترتب ذم على تركه وهذا هو الظاهر من مذهبهم لأنهم يعزلون العقل من منصب الحكومة بالمرة فلا فرق عندهم في نفي حكم العقل باستحقاق المدح والذم بين ما إذا كان قبل تعلق أمر الشارع ونهيه وبعده أو كونه متعلقا لذلك وجه من الوجوه واعتبار من الاعتبارات المحسنة والمقبحة عند العقل على مذهب العدلية ضرورة أن طاعة المولى والمنعم الحقيقي من أعظم الجهات المحسنة وكذا عصيانه ومخالفته من أعظم الوجوه المقبحة وقضية أدلتهم الآتية نفي الحكومة عن العقل كيف ولو جوزوا حكمه في المقام لجرى في غيره أيضا فالظاهر أنهم يجوزون أن يجعل الشارع من أطاع أوامره موردا للذم ومن عصاه موردا للمدح كما يقتضيه أدلتهم فينعكس الأمر فما في شرح المواقف وحاشية القوشجي من تفريع استحقاق المدح والذم على تعلق الأمر والنهي عندهم وأن استحقاق المدح والذم أنما كان بسبب أمر الشارع بالفعل ونهيه محسنة ليس على ما ينبغي فليس الحسن والقبح عندهم إلا مجرد كونه متعلقا حكم الشارع باستحقاق المدح على فعله وحكمه باستحقاق الذم عليه كما نصوا عليه ومنهم الرازي في الأربعين وغيره ثم إن الكلام في هذا المقام في الإيجاب والسلب الكليين فكل من المثبتين والنافين يقول به كليا وينفيه كذلك والقول بالتفصيل وإن أمكن إلا أنه حكي الاتفاق على خلافه وإن كان للمناقشة فيه مجال كما سيأتي ثانيها أن العقل هل يدرك حسن الأفعال وقبحها من غير إعلام الشارع بهما وبيانه لشيء منهما فالأشاعرة المنكرون لأصل الحسن والقبح العقليين يلزمهم نفي ذلك رأسا وأما الآخرون فالمعروف بينهم جواز ذلك وحصوله في بعض المطالب وقد أنكر ذلك جماعة منهم المحدث الأسترآبادي حيث ذهب إلى أنه لا اعتماد على شيء من الإدراكات العقلية في غير ضروريات فلا يثبت شيء من الحسن والقبح الواقعيين بإدراك العقل وبني الأمر في ذلك على أن الأمور المبنية على المقدمات البعيدة عن الإحساس مما تكثر فيه وقوع الغلط والالتباس فلا يمكن الركون إلى شيء منهما ومحصله نفي الإدراك المعتبر وأن ما يتراءى من إدراكه فليس بإدراك على وجه الحقيقة لتصح الاعتماد عليه وقد تبعه في ذلك الفاضل الجزائري وقرره في غير واحد من كتبه إلا أنه نص على أن ما كان من البديهيات يمكن الاستناد فيه إلى العقل وأنه الحجة فيه وما كان من النظريات لا يصح الاستناد فيه إلى العقل أصلا وكأنه أراد بالبديهي ما كان بديهيا عند أرباب العقول دون ما كان بديهيا عند المدرك من غير طريق الإحساس وإن كانت المسألة من نظريات الدين كما يظهر ذلك من التأمل في كلامه وأدلته فيرجع إلى ما ذكره المحدث المذكور وقد نص أيضا كالمحدث المتقدم بانحصار المدرك في غير ضروريات الدين بالأخبار المأثورة عن الصادق عليه السلام وقد تبعها في المقالة المذكورة صاحب الحدائق إلا أن في كلامه بعض خصوصيات نشير إليه بعد ذلك وكيف كان فمحصل كلام هؤلاء ومن تبعهم في ذلك عدم الاعتماد في أمر الدين أصوله وفروعه على الإدراكات العقلية بل لا اعتماد على شيء من إدراكات العقول في شيء من الأحكام التي مباديها غير محسوسة ولا قرينة من المحسوسة كمسائل الهندسة إلا ما كان من قبيل البديهيات الواضحة المتلقاة بالقبول عند أرباب العقول وذهب بعض أفاضل المتأخرين من علمائنا الأصوليين إلى التفصيل من العلم الحاصل للعقل بطريق الضرورة والحاصل بطريق الاكتساب والنظر فحكم بصحة الاعتماد على الأول دون الأخير وكان الفرق بينه وبين كلام الجماعة أنه يقول بالاعتماد على العلم البالغ إلى حد الضرورة مطلقا سواء كان مما تألم فيها العقول أو كان ضروريا عند المستدل وإن نازع غيره في كونه ضروريا أو في أصل ثبوته لتفاوت العقول في قبول العلوم والإدراكات وهم لا يقولون بالاعتماد على الضروريات إلا فيما اتفق العقول عليها حسبما أشرنا إليه وسيبين ذلك من ملاحظة أدلتهم الآتية بعون الله تعالى وقد يتعدّد هنا قول من أسنده بعضهم إلى بعض المتأخرين وهو التفصيل بين المعارف الدينية والأعمال البدنية فقال بحجيته في أصول الدين دون الفروع وهذه جملة الأقوال في المقام والكلام هنا إنما هو في الإيجاب الجزئي والسلب الكلي إذ لا يعقل ادعاء الموجبة الكلية في المقام ولا يذهب عليك أنه بناء على مذهب الأشعري ليس للعقل إدراك شيء من الحسن والقبح الشرعيين لكون الحكم عنده توقيفيا متوقفا على توقيفه وبيانه كالأوضاع اللفظية فليس للعقل فيها مدخلية نعم قد يحصل العلم بها على سبيل الإبهام ونحوه وعلى فرض تحققه لبعض من طريق العادة ويمكن إرجاعه إلى النقل إذ به دل العقل