Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 434

Contributors:

P.434
إلى ما يدرك الحال فيه بالضرورة وقد ظهر بما قررنا أن للحسن عندهم تفسيرين أحدهما أنه ما يترتب المدح أو ما يساوقه والثاني أنه لا يترتب الذم أو ما يساوقه عليه فعلى الأول ينحصر الحسن في الواجب والمندوب وعلى الثاني يشمل ما عدا الحرام من الأحكام وإلى الأول ينظر ما حكي عن بعض المعتزلة من تحديد الحسن على طريقتهم بأنه ما اشتمل على صفة توجب المدح والقبيح ما اشتمل على صفة توجب الذم وما ذكره بعض الأشاعرة في حده من أنه ما أمر الشارع بالثناء على فاعله أو الذم له وإلى الثاني ينظر الحد الآخر للمعتزلة وهو الذي لا يكون على صفة تؤثر في استحقاق الذم والقبيح هو الذي يكون على صفة مؤثر فيه وكذا الحال في الحد المعروف عندهم وهو أن الحسن ما للقادر عليه والعالم بحاله أن يفعله وأن القبيح ما ليس كذلك ونحوه الحد المعروف من الأشاعرة من أن القبيح ما نهي عنه شرعا والحسن ما يكون متعلقا للنهي وكذا الحد الآخر المذكور في كلام بعضهم من أن الحسن ما لا حرج فيه والقبيح ما فيه الحرج والظاهر أنهما مبنيان مختلفان للحسن يندرج أحدهما في الآخر فليس هناك خلاف في التفسير وإنما هناك اختلاف بين التفسيرين وقد عرفت أن أكثر تحديداتهم يوافق الأخير فكأنه الأعرف في الاستعمال وهو الأنسب بالمقام ليعم الكلام سائر الأحكام ثم إن ما ذكرنا من تعاريف الحسن والقبح حدود ستة ثلاثة منها للمعتزلة وثلاثة للأشاعرة وقد أورد على الأول بأنه لا يشتمل ما كان حسنه أو قبحه ثابتا لذاته مع قطع النظر عن الصفات الخارجة عنه ويرد على الحد الثاني للمعتزلة بالنسبة إلى حد القبيح ويرد عليه في حد الحسن شموله للقبيح الذاتي إذ ليس فيه صفة مؤثرة في استحقاق الذم والجواب أن ما ثبت لذات الفعل يمكن إسناده إلى الصفة الذاتية أيضا أعني المنتزعة من نفس الذات فاندفع الإيراد عن المذكورة وقد يجاب عنه أيضا بأن الاختلاف الحاصل في حدودهم مبني على ما اختلفوا من كون الحسن والقبح اللاحقين للأفعال حاصلا لهما لذواتهما أو الموجودة والاعتبارات على ما سيجيء الكلام فيه فالحدان الأولان مبنيان على الثاني والحد الثالث على الأول وأنت خبير بأن الثالث للتحديد صحة الحد على جميع ليصح تعلق الخطاب المحدود وما ذكر من الجواب اعترافا بفساد الحد على بعض تلك الأقوال على ما هو التحقيق هناك من التفصيل أن الظاهر ثبوت الحسن والقبح لبعض الأفعال بالنظر إلى ذاته كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله على أن الحد الثالث يصح على كل من الأقوال المذكورة في تلك المسألة فلا اختصاص له بالقول الأول على ما يظهر مما ذكر وقد يناقش في الحدود المحكية عن الأشاعرة بأن محل النزاع في الحسن والقبح عندهم كما نصوا عليه هو كون الفعل بحيث يترتب المدح أو الذم عليه فهم لما نفوا حكم العقل جعلوا الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق مدح الشارع أو حكمه بنفي الذم عليه على اختلاف التفسيرين والقبح كونه متعلقا لذمة من غير حصول استحقاق هناك في حكم العقل قبل ورود الشرع وبعده فلا فرق عندهم في ذلك بالنظر إلى العقل بين ما ورد الأمر به في الشريعة والنهي عنه في استحقاق المدح أو الذم إلا أنه ورد مدح المطيعين فصارت الطاعة حسنة وذم العاصين فصارت المعصية قبيحة ولو انعكس الأمر كان بالعكس فظهر بذلك أنه لا مدخل في النهي وعدمه في التحسين والتقبيح وكذا غيره مما ورد في الحدين المذكورين وقد يصحح الحدود المذكورة بالملازمة الاتفاقية بين الأمور المذكورة وتعلق مدح الشرع أو ذمه فلا مانع من أخذ أي منها في الحد وهو كما ترى مضافا إلى أنه قد يورد على الحد الثاني أي ما يتعلق به النهي يعم الحسن وغيره مما لم يتعلق به حكم الشرع كأفعال المجانين والأطفال ونحوهما وكذا حال الأشياء قبل تعلق حكم الشرع بها على ما ذهبوا إليه من خلوها إذن من الحكم فلا يكون عد الحسن مانعا وقد يورد ذلك على الثالث أيضا إذ لا حرج في شيء من الأفعال المذكورة وكذا في الأفعال قبل ورود الشرع وقد يذب عنه بأن الظاهر تقابل الحرج وعدم تقابل العدم والملكة فلا يندرج فيه لا يكون قابلا لورود النهي وفيه أولا أنه يلزم عدم صحة اتصاف شيء من أفعاله تعالى بالحسن مع توصيفهم له بذلك وثانيا أن الأفعال قبل ورود الشرع قابلة للنهي وكذا أفعال الأطفال وغيرهم لجواز تعلق التكليف بهم على مذهبهم ومع الغض عن ذلك نقول إنهم يجوزون خلو بعض الأفعال عن الحكم وحينئذ يندرج ذلك في الحد ثم إن الظاهر من الحدود المذكورة للحسن على التفسير الأخير لشموله الأربعة من ذكر الأحكام فيختص القبيح بالحرام وعن الحنجي الحكم بإدراج المكروه في القبيح فيختص الحسن بثلاثة من الأحكام ذكر ذلك في بيان حد المعروف من المعتزلة وقد أشرنا إليه وفيه أن الظاهر من الحد المذكور شمول الحسن للمكروه إلا أن يقال إن الظاهر منه ما يكون له فعله من دون غضاضة عليه وهو في محل المنع ومن شارح المنهاج الحكم بإدراج المكروه في القبيح في الحد المنسوب إلى الأشاعرة وكأنه لاحظ كون المكروه مما نهي عنه عندهم ومعه لا يتم المذكور نعم إنما يتم ذلك على القول بكون النهي حقيقة في الأعم فظاهر الشهيد الثاني في التمهيد عند بيان الحد المذكور إدراج المكروه في الحسن وهو أوفق بظاهر الحد هذا وقد يورد في المقام أن الظاهر من الحدود المذكورة اختلاف معنى الحسن والقبح عند الفريقين من غير اشتراك بينهما إلا في التسمية إذ المعتزلة يقولون بكون الحسن صفة قائمة بالفعل من شأنها استحقاق المدح عليه عند العقل أو عدم ترتب الذم عليه وكون القبح صفة قائمة به من شأنها استحقاق الذم عليها والأشاعرة يقولون الحسن عبارة عن كون الفعل مما مدح الشارح فاعله أو حكم بعدم ذمه والقبح كونه مما ذم عليه من غير حصول استحقاق المدح أو الذم في الصورتين ولا حصول صفة باعثة عليه بعد حكم الشرع أو قبله فلا جامع ظاهرا بين المعنيين ليكون ذلك المعنى متفقا عليه عند الفريقين ويكون الحسن والقبح عبارة عنه ليقع الخلاف في كونه عقليا أو شرعيا بل الحسن بالمعنى الذي عندهم في معنى الحسن والقبح دون وضعها كما هو ظاهر عنوان البحث ويمكن الجواب عنه بأن الحسن بالمعنى الذي وقع فيه الخلاف كون الفعل بحيث يترتب الذم عليه ولا خلاف بين الفريقين في تفسير الحسن والقبح بالمعنى المذكور وإنما الكلام في الحاكم بالذم فالعدلية على أن المدح والذم يترتب بحكم العقل لصفة قائمة به وكذا الذم والأشاعرة على أنه إنما يترتب عليه بمجرد حكم الشارع من غير أن يكون لحكم العقل