Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 436

Contributors:

P.436
عين القبح المتنازع وقد يورد في المقام تارة بمنع قيام الضرورة من العقل بحسن شيء أو قبحه ومما ادعى من إدراك الحسن والقبح في الأمور المذكورة إنما هو من جهة الألف بالشريعة وملاحظة أحكام الشرع والعادة لا من مجرد العقل فتارة بالمنع من كون المدرك هو الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل قد يكون بأحد المعاني الأخر الخارجة عن محل النزاع كموافقة الغرض ومخالفته وصفة النقص ونحوهما وأخرى بأن ذلك لو سلم فإنما يفيد ثبوت الحسن والقبح بالنسبة إلى أفعالنا دون أفعاله تعالى واستنباط الأحكام الشرعية من العقل مبني عليه وقياس الغائب على الشاهد مما لا وجه له سيما بالنسبة إلى الله تعالى مع أنا نقطع بأنه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية مع أنه قبيح منا واندفاع الجميع أما الأول فإنا نفرض ذلك فيما لا ألف له مع الشرعية والعادة أصلا ومن البين أنه يحكم بعين ما حكمنا ويقطع بمثل ما قطعنا أو نقطع النظر عن ملاحظة الشرع والعادة بالمرة ومع ذلك نجد من أنفسنا إدراك الحسن الحكم المذكور كذلك من غير ريبة وما قد يتوهم من أن فرض انتفاء الشيء غير انتفائه في الواقع فإذا كان الألف بالشرع قاضيا بذلك كان ذلك سببا لإدراك العقل وإن فرض العقل انتفاءه الشرع أو العرف مدفوع بأن العلم حاصل من الأسباب أنما يكون ملاحظة العقل ذلك المسبب وعلى فرض العقل انتفاء تلك الأسباب لا يحصل العلم بتلك الأشياء على ذلك التقدير ألا ترى أنه لو قطع النظر عن المقدمتين لم يحصل للنفس علم بالنتيجة وإنما يحصل العلم بها مع ملاحظتها إما تفصيلا أو إجمالا وكذلك العلم الحاصل من جهة الحواس كالأبصار والأسماع ونحوهما فلو قطع النظر عن الإحساس وفرض عدمه لم يحكم العقل بشيء منها وكذا الحال في الأحكام العادية كقبح المشي عريانا في المجالس والأسواق ومجامع الناس والأحكام الشرعية حتى ضروريات الدين والمذهب كوجوب الصلاة والصيام ونحوهما فإنه لو قطع النظر عن ملاحظة العادة والشرع لم يكن هناك حكم بأحد الطرفين مع أنا نعلم في المقام علما ضروريا بثبوت الحكم المذكور من دون تفاوت أصلا بين وجود الشرع والعادة وعدمها والحاصل أن العقل إذا قطع النظر عن جميع ما عداه وجد العلم المذكور حاصلا له وهو دليل على كونه من الفطريات الأوليات إذ لو لم يكن كذلك وكان متوقفا على أحد الأسباب لم يكن حكم العقل به كذلك فظهر بما قررنا ضعف ما قد يورد في المقام من أن الحكم في المقام ضروري حاصل من أن العادة مثلا يتوقف العلم به على العلم بسببه في الجملة لكن لما حصل ذلك وشاع رسخ في النفوس وصار من الواضحات عندنا بلغ في الوضوح إلى حيث استغنت النفس عن ملاحظتها فيحكم بها مع غفلتها عن المسبب ومع الغض عنه فإن غير الأوليات ما لا يصل إلى الحد المذكور وإن بلغت في الوضوح ما بلغت نعم قد يحصل الاشتباه في المقام في تجريد النظر عما عداه وملاحظة الشيء بنفسه من غير ملاحظة لما سواه وهو مما يمكن تمييزه بالوجدان الصحيح كما في المقام فتعين الحال فيها بنحو ما بينها ومع الغض عن ذلك كله فنقول إنا نقطع أيضا أن الشرع والعادة مما لا مدخل له في العلم المذكور كيف وليس ذلك بأوضح في الشريعة والعادة من سائر ضروريات الدين من وجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوها وسائر ما جرت عليه العادات في المأكولات والمشروبات والملبوسات والآداب ومع ذلك نجد الفرق البين والاختلاف الواضح بين المقامين ونقطع بانتفائه فيما ذكر مع الغض عن الشرع والعادة بخلاف ما ذكرنا كما لا يخفى وأما الثاني فبأن المعلوم عند العقل في المقام على سبيل الضرورة هو خصوص استحقاق المدح والذم مع أن موافقته ومخالفته مما يختلف باختلاف المقامات والأغراض والحكم المذكور مما لا اختلاف فيه ولذا يعترف بحسن أحدهما وقبح الآخر من وافق ذلك أغراضه أو خالفها أو صفة الكمال والنقص إذا لوحظت بالنسبة إلى الأفعال لم يبعد إرجاعها إلى محل النزاع كما اعترف به صاحب المواقف كما أشرنا إليه وأما الثالث فمع اندفاعه إذن بعدم القول بالفصل فاسد من جهة حصول القطع المذكور بالنسبة إلى الله تعالى أيضا ألا ترى أنه لو عاقب العياذ بالله خاتم الأنبياء عليه آلاف السلام والثناء مع أنه من أول عمره إلى آخره كان مشتغلا بطاعته للأذى في جنبه لم يعصه طرفة عين ولم يحصل منه سوى الانقياد لرب العالمين حتى إنه عليه السلام لم يقع منه مكروه أبدا ولا مباح غالبا فضلا عن الحرام لكان مستقبحا عند العقل مستنكرا في حكمه ولذا يقطع العقل بخلافه ولا يحتمل وقوع ميله عن جنابه الثاني أنه لو لم يثبت التحسين والتقبيح العقليين لم يقبح من اللّه شيء من الأفعال والتالي باطل والمقدم مثله والملازمة ظاهرة وأما بطلان التالي فلأنه لولاه لزم جواز إظهار المعجزة على يد الكاذب فينسد باب انسداد النبوات ولا يتم معه الحجية على أحد من البريات وجاز الكذب في جميع أخباره وأخبار رسوله وخلفائه فيحتمل أن يكون جميع الواجبات محرمات وبالعكس والمستحبات مكروهة وبالعكس إلى غير ذلك فينسد الطريق إلى معرفة الأحكام وتميز الحلال من الحرام فيتعطل من الشرائع المنزلة وينفي الفائدة في إنزال الكتب وبعثة الرسل بالمرة وأيضا جواز الحلف في وعده ووعيده وثوابه وعقابه وإن وقع الحكم بها على سبيل البت والتحتيم فينتفي الوثوق بوعده ووعيده وجاز أن يعامل مع المحسن معاملة المسئ ومع المسئ بالعكس فيعاقب أطوع عباده بأشد العقاب ويثبت أعصى العصاة فوق ما وعده المطيعين من الثواب وينتفي حينئذ فائدة الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وقد أجيب بوجهين ينحل كل منها إلى وجهين أحدهما القول بثبوت الحسن والقبح في أفعاله تعالى بغير المعنى المذكور فتارة يؤخذ فيها الحسن بمعنى موافقة المصلحة ومخالفتها فيقال إن إظهار المعجزة في يد الكذب مخالفا للمصلحة فلا يقع منه تعالى وكذا الكلام في الكذب ومخالفة الوعد وتارة يقال إن كلا من المذكورات نقص فلا يمكن في حقه تعالى سبحانه وقد نص الأشاعرة في الاحتجاج على استحالة الكذب عليه تعالى بأنه نقص والنقص عليه تعالى محال ثانيهما أنه لا ملازمة بين جواز وقوع تلك الأفعال من الله تعالى ووقوعه منه بل يصح أن يقال بإمكان وقوعها منه تعالى مع القطع بعدم الوقوع إذ لا منافاة بين العلم بشيء واحتمال خلافه بمقتضى الإمكان فتارة نقول بجريان العادة على عدم وقوع الأمور المذكورة منه تعالى وهي كافية في القطع بعدم القطع كما أنه نقطع بعدم انقلاب الجبل ذهبا بعد غيابنا