Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 334

Contributors:

P.334
ترك إيجادها على الوجه الخاص فهو واضح الفساد ومن البين أنه مع عدم مطلوبية إيجادها على الوجه الخاص يكون المطلوب مشروطا على خلاف ما هو المفروض وحينئذ فلا يعقل حصول الامتثال مع إتيانه بغير مطلوب الأمر وإن أريد به أن مطلوبية الطبيعة وإن قيدت بإيجادها على غير الوجه المذكور لا تفيد عدم مطلوبية الإتيان بأصل الطبيعة الراجحة بالإيجاد المفروض إذ قد يكون ذلك من جهة المرجوحية الحاصلة في الخصوصية فرجحانية الطبيعة ومطلوبيتها من حيث هي على حالها إلا أن الجمع بين ذلك والاجتناب عن المرجوحية الحاصلة لأجل الخصوصية يقتضي تقييد الأمر بإيجاد الطبيعة بغير الصورة المفروضة فلا يدل ذلك على عدم مطلوبية أصل الطبيعة فلو فرض أنه عصى بإقدامه على الإيجاد المفروض فإنما يكون عاصيا من جهة إقدامه على الخصوصية المرجوحية لا بتركه إيجاد أصل الطبيعة فهو أيضا فاسد فإنه بعد تقييد الأمر المتعلق بالطبيعة بغير الصورة المفروضة لا يعقل وجه لحصول الامتثال بأدائها وكون النهي المتعلق بها لا من جهة ملاحظة نفس الطبيعة بل لأجل الخصوصية لا يفيد شيئا في المقام إذ لا يعتبر في تحريم الفعل أن يكون العلة في تحريمه ذات ذلك الفعل بل لا إشكال في صحة اتصافه بالتحريم لعلة خارجة من ذاته كما في كثير من المحرمات فإن التحسين والتقبيح غالبا إنما يكون بالوجوه والاعتبارات وأنه المفروض في المقام حينئذ فكيف يعقل حصول الامتثال مع تقييد الأمر المتعلق بالطبيعة بالنهي المفروض إلا أن لا يلتزم حينئذ بتقييد الأمر بل يقال بتعلق الوجوب والتحريم معا بالإيجاد المفروض بالنظر إلى اختلاف الجهتين أعني بملاحظة كونه إيجادا للطبيعة المطلقة وكونه إيجادا للخصوصية وهو مع وضوح فساده للزوم اجتماع الضدين في محل واحد مخالف لما هو بصدده من البيان فإنه أراد بذلك دفع لزوم اجتماع الضدين أعني الوجوب والتحريم في شيء واحد بالتزام حصول التحريم خاصة في المقام دون الوجوب وإن حصل به أداء الواجب حسبما زعمه وأما الجواب عن التقرير الثاني فمن وجوه أحدها أن الطبائع المقررة في الشريعة كالصلاة والغصب في المثال المفروض من الأمور الاعتبارية بحسب الخارج لا وجود لها إلا بوجود ما ينتزع منها والمفروض اتحاد ما ينتزع منه الأمران المذكوران في الوجود فإن نفس الكون في المكان المغصوب ينتزع منه الصلاة والغصب وإن كانت حيثية كونه صلاة مغايرة بالاعتبار الحيثية كونه غصبا فليس للصلاة وجود يتميز من الغصب بل الحاصل من المكلف في الخارج أمر واحد هو الكون المفروض وينتزع منه الأمران المذكوران فكل من الأمرين المذكورين في وجوه الاعتباري مغاير لآخر لكن لا وجود لشيء منها في الخارج استقلالا وإنما الموجود هناك منشأ انتزاع الأمرين فالطبيعتان المفروضتان متحدتان بحسب الوجود الخارجي التبعي نظرا إلى انتزاع ما ينتزعان منه ولما عرفت أن المكلف به هو إيجاد الماهية وترك الإيجاد لزم اجتماع المتنافيين في تكليفه بإيجاد منشإ انتزاع الأمرين وتركه له ألا ترى أنه لو قال ائتني بواحد من القوم ولا تأتني بالفاسق لم يمكن انتفاء التكليفين على إطلاقهما فإن المأمور بالإتيان به والمنهي عنه بحسب الحقيقة إنما هو من ينتزع منه الوصفان المذكوران لا مجرد الإتيان بالواحد من حيث إنه واحد ومفهوم الفاسق من حيث هو لمجرد تغاير الوحدة للفسق بحسب الاعتبار لا ينفع في المقام مع اتحادهما في الخارج بحسب ما ينتزعان منه ويرد عليه أن منشأ انتزاع الأمرين المذكورين وإن كان أمرا واحدا في الخارج إلا أن كلا منهما مغاير للآخر بحسب وجود الضعيف الاعتباري إذ من البين أن انتزاع العقل شيء من شيء يتفرع على نحو وجود لذلك الشيء المنتزع منه وإلا لكان الانتزاع بمحض التعمل من غير أن يكون له حقيقة أصلا ومن البين أيضا أن ذلك الوجود ليس وجود المنتزع منه بملاحظة ذاته بل هو من توابعه ولواحقه فإذا تقرر ذلك ظهر أن اتحاد منشإ انتزاع الأمرين لا يقضي باتحادهما بحسب الوجود الخارجي ليكون وجود منشإ انتزاعهما عين وجود الأمرين المذكورين في الخارج نعم غاية الأمر أن يكون وجودهما تابعا لوجوده فإذا كان هناك شيئان موجودان في الخارج ولو بحسب الوجود الضعيف فأي مانع من قيام الضدين بهما نظرا إلى تغاير محلهما أقصى الأمر توقف وجود ما ينتزع منه ولا ربط له يلزم المانع المذكور نعم يتم الكلام المذكور على قول من أسرى عدم وجود الأمور الاعتبارية في الخارج أصلا ويجعل وجودها في الخارج بمعنى وجود ما ينتزع منه فيرجع التكليف بإيجادها عنده إلى التكليف بإيجاد ما ينتزع منه وحينئذ يتم المدعى ثانيها أن التكاليف المتعلقة بالطبائع المنتزعة من الأفعال إنما يتعلق حقيقة بتلك الأفعال التي يتفرع منهما الطبائع المفروضة لا بمجرد تلك الطبائع من حيث هي فمفاد الأمر بالصلاة هو الإتيان بالفعل الذي ينتزع منه تلك الطبيعة فالمطلوب هو نفس الحركات والسكنات مثلا الصادرة عن المكلف نظرا إلى انتزاع الصلاة منها لأن المأمور به هو تلك الأمور المنتزعة من غير أن يكون نفس الأفعال الصادرة مطلوبة للأمر وإنما تكون مطلوبة تبعا من جهة إيصالها إلى المطلوب نظرا إلى قيام المطلوب بها وتبعية لوجودها بل هي مطلوبة بعين مطلوبية الفعل المنتزع منها وفهم العرف أقوى شاهد على ذلك ألا ترى أنه لو قال ائتني بأخي زيد أو بأبي عمرو كان المفهوم منه هو الإتيان بالذات التي ثبت له المفهوم المذكور أعني المضاف المشهوري دون المضاف الحقيقي وحينئذ نقول إن ما ينتزع المأمور به والمنهي عنه أمر واحد في الخارج وقد عرفت تعلق الطلب به فعلا وتركا فيلزم اجتماع الضدين بالنسبة إلي حسبما قررناه ثالثها أن المفروض في محل البحث كون النسبة بين الطبيعتين هو العموم من وجه وقضية ذلك اجتماع الطبيعتين المفروضتين في المصداق كيف ولو اجتمعا في المصداق وكان مصداق كل منهما مغايرا للآخر لكانت النسبة بينهما تباينا كليا هذا خلف فتغاير كل من الطبيعتين للآخر بحسب الوجود بملاحظة ذاتها حسبما قرر لا ينافي اتحادهما ولو بالفرض من بعض الوجوه ألا ترى أن الحيوان والأسود يصدقان على شيء واحد ويحملان عليه مع كون مفاد الحمل هو الاتحاد في الوجود ولا ينافيه كون وجود ذلك المصداق في نفسه مغايرا لوجود السواد في نفسه أعني الأسود بما هو أسود فهناك جهة اتحاد في الخارج وجهة مغايرة وإنما يصح الحمل بملاحظة الجهة الأولى دون الثانية ولذا لا يصح حمل السواد على الجسم ويصح حمل الأسود عليه إذا تقرر ذلك فنقول إن ما يتعلق به الأمر والنهي من الماهيات الملحوظة في المقام إنما اعتبرت بالجهة الأولى إذ المفروض كون النسبة بين المأمور به والمنهي عنه هي العموم من وجه ولو كانت ملحوظة بالاعتبار الثاني لكانت النسبة بينهما المباينة الكلية ألا ترى أن تصادق الصلاة والغصب أنما هو بالاعتبار الأول وهي الجهة التي
هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 334 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني