Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 208

Contributors:

P.208
وإن أريد منع الملازمة بين عدم الوجوب بذلك الأمر وعدم وجوبها بأمر آخر فهو كذلك إلا أنه لا ينافي صحة الاحتجاج فإن المقصود منه تفرع الفساد المذكور على جواز تركها نظرا إلى الأمر المذكور فإنه إذا جاز تركها بملاحظة الأمر المتعلق بذيها فتركه المكلف إن بقي ذلك التكليف بحاله كان تكليفا بما لا يطاق إلى آخر ما ذكر ووجوب المقدمة بأمر خارجي مستقل لا ربط له بالمقام مضافا إلى أنه لا قائل بوجوب المقدمات على إطلاقها بأوامر مستقلة أقصى الأمر أن لا تنتهض الدليل بالنسبة إلى بعض المقدمات مما ثبت وجوبه من الخارج ونهوضه بالنسبة إلى بعض المقدمات كاف في إثبات المقصود وأما ثالثا فلأن المدعى ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته بحسب الواقع والدليل المذكور قاض بثبوتها إذ على فرض عدم وجوبها في الواقع يكون تركها جائزا بحسب الواقع إلى آخر ما ذكر ولم يؤخذ في المدعى كون إيجاب ذي المقدمة سببا لإيجاب مقدمته في الواقع غاية الأمر كون العلم بوجوبه سببا للعلم بوجوب الآخر سواء كانت السببية حاصلة على الوجه الأول أيضا أو لا ومنها النقض بأنه لو صح ما ذكر من الدليل لزم عدم جواز التكليف من رأس وتقرير الملازمة بوجهين أحدهما أن كل فعل لم يصل إلى حد الوجوب أو الامتناع لم يكن موجودا ولا معدوما فهو في حال وجوده متصف بالوجوب وفي حال عدمه بالامتناع ولا يصح التكليف بالفعل في شيء من الحالين لتوقفه حسب ما ذكر في الدليل على الإمكان المنفي في الصورتين والقول باتصافه بالإمكان قبل مجيء الزمان المفروض على فرض صحته لا يثمر في المقام إذ المعتبر من الإمكان المعتبر في المكلف به هو ما كان في زمان إيجاد الفعل أو تركه لا ما كان متقدما عليه ثانيهما أن كل حادث وجد في زمان أو لم يوجد فبلزوم وجوبه في ذلك الزمان أو امتناعه حاصل في الأول لما تقرر من استناد الممكنات إلى الواجب وأن الشيء ما لم يجب امتنع وجوده فما وجد في زمان فهو مما يجب في الأول حصوله في ذلك الزمان وما لم يوجد يمتنع حصوله فيه غاية الأمر عدم علمنا بأسباب الوجوب أو الامتناع قبل مجيء ذلك الزمان وقد يحصل العلم ببعضها كما هو المفروض في المقام فإن ترك المقدمة سبب لامتناع الإتيان بالفعل فإذا لم يصح التكليف بسبب الامتناع المفروض لم يصح في شيء من التكاليف للعلم الإجمالي بحصول أسباب امتناعه مع عدم الإتيان به بالفعل وحصول أسباب وجوبه مع الإتيان به وإن لم يعلم خصوص السبب الموجب لأحد الأمرين ومنها الحل فإنا نختار بقاء الوجوب ولزوم التكليف بما لا يطاق ممنوع إذ ليس التكليف بأي ممتنع من قبيل التكليف بما لا يطاق إذ من الممتنعات ما يكون امتناعه من جهة اختيار المكلف ولا مانع من تعلق التكليف به فنقول إن ترك المقدمة لما كان باختيار المكلف كان ترك ذي المقدمة أيضا عن اختياره ومن المقرر أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار وبعضهم حمل الجواب المذكور في كلام المصنف رحمه الله على ذلك وحاصل الجواب أن الوجوب والامتناع إن كان لا من جهة اختيار المكلف فهو المانع من جواز التكليف وأما إن كان من جهة اختيار المكلف فهو المانع من جواز التكليف وأما إن كان من جهة اختياره فهو لا يمنع جواز التكليف بل يصححه فإن من شرائطه قدرة المكلف ووجوب الفعل أو امتناعه بسبب الاختيار مصحح للقدرة عليه ويدفعه أن ما قيل من أن الوجوب أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار إنما يراد به الاختيار المقارن لصدور الفعل بأن يكون اختيار ذلك الفعل أو الترك هو الموجب لوجوده أو عدمه في الخارج فإن ذلك لا ينافي كون الفعل أو الترك اختياريا بل يصححه إذ لولا وجوبه أو امتناعه بذلك لما كان اختياريا حاصلا بسبب الاختيار حسبما ذكر وأما ما كان بسبب الاختيار المتقدم على الفعل المتعلق بأمر آخر معد لحصول ذلك الفعل من غير أن يكون الفعل الثاني صادرا عن اختيار المكلف حين حصوله فلا يجعل ذلك الفعل اختياريا حال صدوره عن الفاعل ولا مقدورا عليه حين حصوله غاية الأمر حصول القدرة المتقدمة السابقة على اختيار الإتيان بذلك المعد وأما بعد الإتيان به فلا ومن البين أن المعتبر من القدرة والاختيار بناء على عدم جواز التكليف بما لا يطاق مطلقا هو ما كان مقارنا للفعل كيف ولولا ذلك لزم انفتاح باب عظيم في الفقه فإن من أجنب متعمدا مع عدم الماء أو أتلف الماء الموجود عنده عمدا مع علمه بعدم تمكنه من غيره لزم أن يكون مكلفا بأداء الصلاة مع الطهارة الاختيارية نظرا إلى قدرته السابقة وإقدامه على إيجاد المانع باختياره وكذا من كان عنده استطاعة الحج فأتلف المال عمدا قبل مضي الرفقة أن يكون مكلفا بالسير معهم مع عدم تمكنه منه وكذا من كان عنده وفاء الدين فأتلفه عمدا أن يكون مكلفا بالوفاء مع عدم تمكنه منه وكذا بل فاسقا مقيما على العصيان بعدم الأداء إلى غير ذلك من الفروض الكثيرة مما يقف عليه المتأمل فإن قلت لا شك في كون الأفعال التوليدية حاصلة عن اختيار المكلف ولذا يجوز التكليف بها ويصح وقوعها متعلقا للمدح والذم مع أنها لا قدرة عليها حين حصولها وإنما يتعلق القدرة بها بتوسط أسبابها قلت لا يلزم مما قلناه أن لا يكون الأفعال التوليدية متعلقة للقدرة مطلقا ولا عدم جواز التكليف بها رأسا فإنه لا شك في جواز التكليف بها قبل الإتيان بالأسباب المولدة لها مع حصول القدرة على تلك الأسباب لوضوح أنه مع القدرة عليها على السبب يقتدر على المسبب أيضا إلا أن ذلك لا يقضي بحصول القدرة عليها وجواز تعلق التكليف بها بعد حصول أسبابها كما هو المدعى فالتكليف بها ينقطع عند الإتيان بأسبابها وارتفاع القدرة عليها وعدم مقدورية الفعل كما يمنع من تعلق التكليف به ابتداء يمنع عنه استدامته لاتحاد جهة المنع فكما أنه مع الإتيان بنفس الواجب ينقطع التكليف فكذا مع الإتيان بالسبب المولد له لوجوب ذلك الفعل حينئذ وتعلق المدح أو الذم به إنما هو من جهة الإقدام على سببه من حيث إيصاله إليه ولذا لو تاب المكلف عن ذلك بعد الإقدام على السبب قبلت توبته وحكم بعدالته بعد ثبوتها وإن لم يأت زمان أداء الواجب ولا يحصل منه معصية في زمان إيقاع الفعل كما إذا ترك الذهاب إلى الحج مع الرفقة ثم تاب بعد ذلك فإنه لا يكون عاصيا ولا فاسقا في أيام أداء الحج وذلك ظاهر وحينئذ فنقول إن تعلق التكليف بها بواسطة التكليف بأسبابها من حيث إنها موصلة إليها كما هو المدعى فلا