Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 210

Contributors:

P.210
وهذا هو الوجه فيما ذكره من جواز تحقق الحكم العقلي دون الشرعي كما أشار إليه بقوله لأن الخطاب به عبثا إلى آخره وقد ظهر بذلك دفع ما قد يورد عليه من أن المقرر في محله مطابقة حكم العقل للشرع بمعنى أن ما حكم به العقل قد حكم به الشرع فكيف يبتني على الانفكاك بينهما في المقام إذ ليس المدعى انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل بأن لا يطابق حكم الشرع ما به حكم به العقل كيف وقد كان الحكم المذكور من لوازم عدم إيجاب الشارع للمقدمة فهي أيضا في حكم الشرع مما يجوز تركه لكن المقصود عدم جواز تصريح الشارع بجواز تركه للزوم اللغو حسبما ذكر لكنك خبير بأن القول بعدم جواز تصريح الشارع بالحكم الثابت مع أن من شأنه بيان الأحكام غير متجه وما ذكر من لزوم اللغو في الحكم به فاسد إذ لا يعقل لغو في بيان الأحكام الشرعية وكيف يتصور ذلك في المقام وفي حكمه المذكور تصريح بعدم وجوب المقدمة واتحاد الواجب حتى لا يتوهم هناك وجوب أمرين كيف ولو كان لغوا لكان بيان هذه المسألة وعقد الخلاف وإقامة الحجج من الفريقين على كل من الجانبين والنقض والإبرام الواقع في البين من الطرفين أعظم لغوا فما يجعل فائدة في ذلك فهي الفائدة في تصريح الشارع به كيف ولو صرح به وثبت ذلك عنه لم تكن المسألة محلا للخلاف فلا أقل من ظهور الحق لمن بذل الوسع فيه وأي فائدة أعظم من ذلك فيمكن أن ينهض الوجه المذكور حجة على وجوب المقدمة بأن يقال لو لم تكن المقدمة واجبة شرعا لجاز تركها والملازمة ظاهرة وأما بطلان التالي فلأنه لو جاز تركها لجاز حكم الشارع بالجواز أما الملازمة فلجواز حكم الشارع بما هو الواقع بل من شأنه بيان حكمه في الواقع وأما بطلان التالي فلقبحه وركاكته كما اعترف المصنف به ويمكن الإيراد عليه بأن الوجه في عدم جواز حكمه بجواز ترك المقدمة امتناع انفكاك الواجب عنها فهي واجبة بالعرض من جهة وجوب ذيها كما هو الحال في لوازم الواجب فلا يجوز تركها ويصح الحكم بجواز تركها لعدم جواز ترك ملزومها ولذا لا يصح إطلاق الحكم بجواز تركها ويصح الحكم بجواز تركها في نفسها وكما لا يجوز حكم الشرع بجواز تركها لعدم جواز تركها على الإطلاق كذا لا يحكم به العقل فلا فرق بين الحكمين كما توهم المصنف ولا دلالة في ذلك على وجوب المقدمة كما لا يدل على وجوب لوازم الواجب فقوله لو لم يكن المقدمة واجبة لجاز تركها إن أريد به وجوبها بالذات على أن يكون الوجوب من عوارضها فالملازمة ممنوعة لإمكان أن لا يكون واجبة كذلك لكن لا يجوز تركها بالعرض من جهة عدم جواز ترك ملزومها وإن أريد الأعم من وجوبها بالذات وبالغير على أن يكون الوجوب من عوارض ذلك الغير وتتصف هي بالوجوب بالعرض على سبيل المجاز من جهة عدم انفكاك الواجب عنها فالملازمة مسلمة ولا تثبت المدعى لما عرفت من خروج ذلك عن محل البحث إذ هو من لوازم الملازمة المسلمة بعد الحكم بوجوب ذي المقدمة وقد ظهر بما قررناه ضعف ما قد يمنع في المقام من عدم جواز تصريح الشارع بجواز ترك المقدمة إذ لا يعقل هناك مانع منه بعد البناء على عدم وجوبها لما قد عرفت من ظهور الوجه فيه لكنه لا يفيد الوجوب حسبما حاوله المستدل هذا ويمكن تقرير الاستدلال بوجه آخر ينهض بإثبات المدعى ذلك بأن يقال إنه لا شك بعد مراجعة الوجدان في عدم جواز حكم العقل ولا الشرع بجواز ترك المقدمة إذ لا يعقل هناك مانع منه بعد البناء على عدم وجوبها لما قد عرفت من ظهور الوجه فيه لكنه لا يفيد الوجوب حسبما حاوله المستدل هذا ويمكن تقرير الاستدلال بوجه آخر ينهض بإثبات المدعى ذلك بأن يقال إنه لا شك بعد مراجعة الوجدان في عدم جواز حكم العقل ولا الشرع بجواز ترك المقدمة من حيث أدائها إلى ترك ذي المقدمة وكيف يجوز عاقل أن يوجب الشارع علينا الحج مثلا ثم يقول لكم ترك قطع المسافة إلى مكة من حيث إنه يؤدي إلى ترك الحج وهل يكون مفاد ذلك إلا تجويزه لترك الحج فيناقض الحكمان وهو بعينه مفاد الوجوب الغيري إذ لولا وجوبها لأجل الغير لجاز الحكم بجواز تركها من الحيثية المذكورة وإن لم يجز من جهة أخرى فتأمل قوله منع كون الذم على ترك المقدمة بنفسها إن أريد منع كون الذم على تركها بالوجه المذكورة ترك المقدمة بنفسها فلا ربط له بالمدعى إذ ليس المأخوذ في الاحتجاج ورود الذم على تركها بالوجه المذكور وإلا لكان واجبا نفسيا لا غيريا وإن أريد منع الذم على ترك المقدمة من حيث أدائها إلى ترك ذيها فهو واضح الفساد كيف وتعلق الذم بتركها بالاعتبار المذكور من الواضحات كما مرت الإشارة إليه

[ في بيان حجج أخر للقول بوجوب المقدمة . ]

[ الحجة الأولى . ]

ثم إن هنا حججا أخرى للقول بوجوب المقدمة قد أشار إليها غير واحد من الأجلة بعضها متينة وبعضها مزيفة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها منها أن حقيقة التكليف هي طلب الفعل أو الترك من المكلف اتفاقا من الكل وذهب العدلية إلى أن حقيقة الطلب هي الإرادة المتعلقة بفعل الشيء أو تركه وعليها مدار الإطاعة والعصيان والألفاظ الدالة على ذلك من الأمر والنهي إنما هي لإعلام المكلف الذي هو من شرائط التكليف ولذا قد لا يكون العلامة لفظا بل شيئا آخر من دلالة العقل وغيره من الأمارات المنصوبة على حصول الإرادة المذكورة واستدلوا على ذلك بأنه لا يعقل الإنسان بعد رجوعه إلى وجدانه عند أمره بالشيء أمر آخر وراء الإرادة المذكورة يصلح لأن يكون مدلولا للصيغة فلو كان هناك شيء آخر لزم أن يكون معلوما بالوجدان كسائر المعاني الحاصلة للنفس من العلم والقدرة والكراهة والشهوة والفرج والهم والجبن ونحوها فإذا لم يتعقل هناك معنى آخر وراء ما ذكر من الإرادة تبين أنه ليس معنى الطلب إلا الإرادة كيف ولو سلم أن هناك معنى آخر لا يدركه إلا الأوحدي من الخواص فكيف يصح القول بوضع صيغ الأمر والنهي لذلك ومن المقرر أن الألفاظ الظاهرة الشائعة الدائرة بين العامة غير موضوعة بإزاء المعاني الخفية التي لا يدركها إلا الأفهام الدقيقة وقد خالف في ذلك الأشاعرة فزعموا أن الطلب أمر آخر وراء الإرادة وجعلوه من أقسام الكلام النفسي المغاير عندهم للإرادة والكراهة وقد عرفت أن ما ذكروه أمر فاسد غير معقول مبني على فاسد آخر أعني الكلام النفسي وليس بيان ذلك حريا بالمقام فإنما يطلب من علم الكلام فإذا تبين أن حقيقة التكليف هو ما ذكرناه من الإرادة فمن البين أن الإرادة المذكورة لا تحدث بواسطة اللفظ