Skip to main content

هداية المسترشدين ( طبع قديم ) — Page 206

Contributors:

P.206
فإن كلا من خروجه وبقائه في ذلك المكان حرام عليه مع انحصار أمره في الوجهين وليس ذلك إلا بسوء اختياره في الإقدام على الدخول فظهر بذلك الفرق بين القول بوجوب المقدمة وعدمه إذ ليس التكليف بذي المقدمة على فرض ترك المقدمة من سوء اختيار المكلف بناء على الثاني لجواز ذلك بالنسبة إليه بخلاف ما إذا قيل بالأول وقد يقال إن الاستحالة في المقام إنما نشأ أيضا من قبل المكلف فلا مانع من حسن العقاب على ترك الفعل الممتنع بسبب اختياره ترك مقدمة يعلم كونها مقدمة له وإن لم يكن ترك تلك المقدمة محرما كما أنه لا مانع من حسن العقاب على ترك الفعل الممتنع بسبب سوء اختيار المكلف من جهة إقدامه على الحرام كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل وفيه أنه إن أريد أن الاختيار المذكور لما كان سببا لترك الواجب كان مصححا للعقوبة على ترك ذلك الواجب من غير أن يبقى التكليف بالفعل بعد امتناعه ولا أن تكون تلك العقوبة على نفس اختياره ذلك فهو عين ما ذكرناه في الوجه الأول وقد عرفت أن مقتضاه كون الاختيار المذكور باعثا على استحقاق العقوبة من حيث أدائه إلى ترك الواجب وهو عين مفاد الواجب الغيري ولذا يقبح عند العقل تجويز الأمر لاختياره ذلك من حيث أدائه إلى ترك الواجب كيف ولو جوز له ذلك ولو من الحيثية المذكورة قبيح منه العقاب بعد ذلك وفيه خروج الوجوب عن الوجوب وإن أريد أن ترك المقدمة إنما يقتضي استحقاق العقوبة على ترك الواجب بعد ذلك وإن لم يبق هناك أمر بالفعل بعد ترك مقدمته فلا يكون المكلف عاصيا بمجرد ترك المقدمة وإنما تحقق عصيانه واستحقاقه للعقوبة عند ترك الواجب في زمانه المضروب له فيكون عاصيا للأمر المتعلق به قبل ترك مقدمته بتركه للواجب في زمانه وإن سقط الأمر بعد ترك المقدمة إذ لا يمنع ذلك من تحقق العصيان بالنسبة إلى الأمر السابق ففيه أنه إذا سقط الأمر عنه عند ترك المقدمة من غير تحقق عصيان ولا استحقاق عذاب أصلا ولو من جهة أدائه إلى ترك الواجب لم يعقل هناك عصيان ولا استحقاق للعقاب بعد ذلك إذ لا معنى حينئذ لعصيانه للأمر الساقط كما لا يخفى فدعوى أن سقوط الأمر لا يمنع من استحقاق العقاب مما لا وجه له بل الحق عصيان الأمر عند ترك مقدمته من حيث أدائه إلى ترك الواجب إن تعلق الأمر بالفعل قبل مجيء زمانه كما في الحج بعد حصول الاستطاعة وذلك قول بوجوب المقدمة حسبما قررناه وإلا منع ترك المقدمة من تعلق الأمر به فلا وجوب حتى يلزم بذلك خروج الواجب عن كونه واجبا وإن أريد أنه لما كان ترك المقدمة ناشئا عن اختياره كان ذلك مصححا لبقاء التكليف بذي المقدمة مع امتناعه بعد ذلك حيث إنه نشأ الامتناع عن اختياره كما هو ظاهر الفاضل المذكور وقد نص أيضا بعد ذلك بأن العلم بعدم الصدور أو امتناعه لا يستلزم إلا قبح إرادة وجود الفعل وطلبه وقصد تحصيله إذ بعد العلم بعدم الوقوع قطعا لا يجوز من العاقل أن يكون بصدد حصول ذلك الشيء ويقضي العقل بأن الغرض من الفعل الاختياري يجب أن يكون محتمل الوقوع وإن لم يجب أن يكون مظنونا أو معلوما إلا أنه قد يقرر أن الغرض من التكليف ليس ذلك بل الابتلاء لا بمعنى تحصيل العلم بما لم يكن معلوما بل بمعنى إظهار ما لم يكن ظاهرا على العقول القاصرة والأفهام السخيفة ففيه أنه إذا لم يكن يتعلق منع من الأمر بترك المقدمة ولو من جهة أدائها إلى ترك ذيها لم يصح بعد اختياره لترك المقدمة إلزامه بأدائه ذي المقدمة وإيجاب ذلك عليه مع امتناع صدوره عنه لما تقرر عندنا من امتناع التكليف بغير المقدور وتفسيره حقيقة التكليف بما ذكره مخالف لما هو ظاهر المشهور بين علمائنا من اتحاد معنى الطلب والإرادة إلا أنه موافق للتحقيق كما مر تفصيل القول فيه وبه يصح القول بجواز التكليف بغير المقدور إذا كان من سوء اختيار المكلف إذ لو كان حقيقة التكليف إرادة الفعل على الحقيقة امتنع تعلقها بالمحال مطلقا لكنه لا يثمر في المقام إذ أقصى ما يترتب عليه أن يتعقل حصول التكليف بعد عروض الامتناع ولا يصحح ذلك حسن التكليف مع امتناع الفعل فإن إيراد التكليف المفروض على المكلف من دون ورود تقصير منه ظلم عليه نعم لو كان ذلك متفرعا على عصيانه وسوء اختياره صح ذلك إذ ليس وروده عليه حينئذ من قبل الأمر فنفي التفرقة بين الوجهين حسبما رامه الفاضل المذكور غير متجه فإن قلت قد مر أن القائل بنفي وجوب المقدمة قد يلتزم بوجوبها بالعرض من جهة اتصاف ما لا ينفك عنها بالوجوب وحينئذ فالإقدام على تركها مع وجوبها كذلك كاف في انتفاء القبح عن بقاء التكليف بذيها قلت قد عرفت أن الحكم بوجوبها على الوجه المذكور ليس قولا بوجوبها حقيقة ولو لأجل الغير وإنما هو اتصاف لها بالوجوب على سبيل المجاز حسبما مر تفصيل القول فيه فلا يثمر شيئا في المقام إذ لا يتحقق بسببه سواء اختار من المكلف ليحسن من جهة إلزامه بالمحال فتأمل مضافا إلى عدم اشتماله على ما جعله غاية التكليف من الابتلاء والاختبار إذ لا يعقل حصوله بعد علم الآمر والمأمور بامتناع الفعل فيكون التكليف به عبثا خاليا عن الفائدة

[ الدليل الثاني . ]

قوله وأيضا فإن العقلاء لا يرتابون إلى آخره أرادوا بذلك استحقاق الذم على ترك المقدمة وإن لم يكن الذم من جهة تركها في نفسها وإلا لكان وجوبها نفسيا وهو خلاف المدعى فالمقصود ترتب الذم على تركها من حيث أدائها إلى ترك ذيها وورود الذم عليه على الوجه المذكور مما لا مجال للريب فيه ومقتضاه ثبوت الوجوب الغيري كما هو الحال فيما تعلق به صريح الأمر من الواجبات الغيرية فإن الذم الوارد هناك أيضا إنما هو من جهة أدائها إلى ترك الغير لا على ترك نفسها كما مرت الإشارة إليه والحاصل أن ترك المقدمة سبب لاستحقاق الذم لكن لا على تركها بل لأدائها إلى ترك غيرها وبه يثبت المدعى ولا فرق في ذلك بين ما يكون زمان إيقاع المقدمة متقدما على الزمان الذي يصح فيه الفعل كما في قطع المسافة من البلدان النائية بالنسبة إلى الحج وما لا يكون كذلك واستحقاق الذم في الأول إنما يحصل قبل مجيء زمان الفعل وترك الواجب فيه أن يترك المقدمة حينئذ يحصل الأداء إلى ترك الواجب في وقته فيستحق به الذم على الوجه المذكور من غير أن يحسن هناك استحقاق آخر على ترك نفس الواجب في وقته واستحقاق الذم لترك المقدمة من جهة الأداء إلى ترك الواجب هو بعينه استحقاق الذم على ترك ذلك الواجب فيثبت إلى ترك المقدمة من جهة الأداء إلى ترك الواجب وإلى ترك نفس الواجب أصالة فظهر بما ذكرنا أن ما يتوهم في المقام من أن الدليل المذكور على فرض صحته إنما يفيد الوجوب النفسي دون الغيري