كما لا يخفى ، بخلاف التخصيص كما في قوله : لا تكرم زيدا العالم ، فإنّه كما يصحّ بعد ورود العامّ كذا يصحّ على تقدير انتفاء العامّ رأسا ، وذلك ظاهر في الأدلّة الاجتهادية ؛ إذ بعد ما عرفت من أنّ معنى عدم اعتبارها هو الاعتناء بالشكّ والأخذ بأحكامه بحسب اختلاف الموارد ، ومعنى اعتبارها هو إلغاء تلك الأحكام ، لا ينبغي الارتياب في لغوية اعتبار الأدلّة الاجتهادية لو لم تكن « 1 » تلك الأحكام ثابتة للشكّ .
وبعبارة أخرى : لو لم تكن هذه الأحكام ثابتة لموارد الشكّ لم يكن لإلغائها - كما هو مفاد اعتبار الأدلّة الاجتهادية - معنى ، بل كان لغوا صرفا .
ثمّ لا فرق في ذلك بين التقديم والتأخير ؛ إذ الجمع بين الأدلّة لا يفرق فيه ذلك كما في العموم والخصوص أيضا ، نعم لو كان معنى اعتبارها كونها أسبابا شرعية كان القول بالتخصيص في محلّه .
ومن هنا ينقدح فساد مقالة من زعم أنّ بين الدليل الدالّ على البيّنة وبين الاستصحاب عموم من وجه ، حيث إنّ الأوّل يعمّ الموارد التي تؤخذ « 2 » فيها الحالة « 3 » السابقة وغيرها ، والثاني أعمّ من موارد البيّنة وغيرها ، فلا بدّ من الأخذ بالمرجّحات .
إذ بعد ما تحقّق من كون تلك الأدلّة محكّمة على الأدلّة التي بها يثبت أحكام الشكّ فلا معنى لملاحظة النسبة ، إذ المفسّر وإن كان عامّا مقدّم على المفسّر ، والوجه فيه هو أنّ بعد فرض التفسير فهو عند العرف أظهر ، فلا بدّ من الأخذ به ، على أنّ العموم في المقام ممنوع ، فإنّ دليل البيّنة حاكم على مطلق أحكام الشكّ التي منها الاستصحاب ، ومنشأ الخيال المذكور هو ملاحظته بالنسبة إلى خصوص دليل الاستصحاب ، ونظير ذلك ما مرّ مرارا من أنّ أدلّة نفي العسر والحرج إنّما يلاحظ بالنسبة إلى جميع الأحكام
هامش
( 1 ) . « ج ، م » : « لم يكن » وكذا في المورد الآتي .
( 2 ) . « ك » : يؤخذ ، « ج » : يوجد ، وفي نسخة « م » كان تمام حروفها مهملا .
( 3 ) . « ز ، ك » : بالحالة .