تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرقاة الأصول ( بحوث تمهيدية في أصول الفقه ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
أن يعتبر الشارع شيئا غير العلم ويجعله حجّة مثل العلم بحيث يكون اتّباعه مثل اتّباع العلم واجبا ؟ نقل عن بعض القدماء - مثل : ابن قبة - أنّه لا يمكن جعل الظنّ حجّة ، ببيان أنّ إصابة الظنّ للحكم الواقعي المخزون في علمه تعالى غير معلوم ، بل لا شكّ في أنّه قد يصيبه وربّما لا يصيبه ، ويلزم من حجّية الظنّ وجوب العمل على خلاف ذلك الحكم الواقعي إذا أخطأ الظنّ الواقع ، فلو جعل الشارع الظنّ حجّة كان لازمه تعريض المكلّف على تفويت المصلحة المترتّبة على الحكم الواقعي ، ولا شكّ في قبحه ، فلا يصدر من الشارع الحكيم . وأيضا الفعل إن كان في الواقع متّصفا بحكم مخالف لما ثبت له حسب مقتضى الظنّ لزم اجتماع الضدّين ، بأن كان الفعل حراما واقعا وحصل لنا الظنّ بوجوبه أو إباحته ، فيلزم أن يكون الفعل حراما وواجبا مثلا ، وهو اجتماع الضدّين . وإن كان متّصفا بنفس الحكم لزم اجتماع المثلين ، بأن كان الفعل في علم اللّه واجبا واقعا وثبت له وجوب ظاهري بمقتضى الظنّ فلزم ثبوت الوجوبين لفعل واحد في وقت واحد أحدهما واقعي والآخر ظاهري . ولكن جمهور المتأخّرين وأعاظم القدماء على إمكان حجّية الظنّ ببيان أنّه من المعقول أن يكون في حجّية الظنّ مصلحة أخرى غير مصلحة الحكم الواقعي ، وتلك المصلحة تعوّض للمكلّف عمّا يفوته من المصلحة المترتّبة على الحكم الواقعي على فرض خطأ الظنّ وعدم إصابته الواقع ، فلتكن تلك المصلحة تسهيل الأمر على المكلّفين في شأن امتثال الأحكام الإلهية ؛ إذ لو لم يكن الظنّ حجّة ولم يصحّ الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية لزم منه تكليف عامّة المكلّفين بتحصيل العلم الوجداني بجميع الأحكام ، ولا شكّ في أنّه يتعسّر على أغلب الناس حتى في زمان حضور الأئمة