وقد رووا عن الخليفة الثاني أنّه كتب إلى شريح : فإن أتاك بما ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله ، ولم يتكلّم فيه أحد ، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدّم ، وإن شئت أن تتأخّر فتأخّر . « 1 » وفي ضوء هذين الحديثين ، نجم في القرن الثاني العمل بالقياس والاستحسان ، وسدّ الذرائع ، والمصالح المرسلة ، ومذهب الصحابيّ ، إلى غير ذلك من الظنون الّتي ما أنزل الله بها من سلطان .
إنّ الشيعة الإمامية في غنىً عن اللجوء إلى هذه المقاييس والاستحسانات ، غير أنّ الأدلة الصحيحة تحتاج إلى استنطاق ، وهي حجج صامتة ، والفقيه بفضل الاجتهاد يستنطقها ويستثمرها ، فتأتي ملبية لجميع ما يحتاج إليه الفقيه إلى يوم القيامة . والاجتهاد بهذا المعنى هو الطريقة الموروثة عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) فقد كان لهم موقف مثل الاجتهاد في إرشاد أصحابها إلى كيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة ، ولو قام أحد المحقّقين بجمع تلك الشوارد لتجلّى دور الأئمّة في تربية الفقيه في أعصارهم وجاء الكتاب حافلًا بالذكر وجديراً بالمطالعة .
هذا ، وقد قدّم سيّدنا الجليل المحقق الذكي ، العاكف على الدراسة والكتابة طيلة سنين ، الجزء الثاني من المباحث العقلية من علم الأُصول ، وبتمامه تمّ البحث حول القطع والظن ، والأُصول الأربعة ( البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب وكيفية العلاج بين الحجّتين ) مضافاً إلى القواعد الأربع : قاعدة اليد ، وقاعدة أصالة الصحّة ، وقاعدة التجاوز ، وقاعدة القرعة .
فنشكر المؤلّف البارع السيد محمود الجلالي المازندراني على ما بذل من جهود في تنظيم المباحث وترتيب الشوارد تنظيماً رائعاً مباركاً مثمراً بإذن الله سبحانه .
قم ، الحوزة العلمية جعفر السبحاني 20 شعبان المعظم 1415 ه . ق
هامش
( 1 ) - ابن القيم ، اعلام الموقعين : 61 / 1 62 .