الاجتناب عن الملاقي لما عرفت من أنّ تقدّم الملاقاة يوجب توجه العلم الإجمالي دفعة واحدة للأطراف ، غاية الأمر يكون الملاقى والملاقي في طرف والشيء الآخر في طرف آخر .
وأمّا الصورة الثالثة : أعني : تقدّم الملاقاة والعلم بها على العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر ، فبما أنّ الملاقاة والعلم بها كانا مقدّمين على العلم الإجمالي ، يحدث العلم الإجمالي متعلّقاً بالأطراف الثلاثة دفعة واحدة ، فيكون حكم هذه الصورة حكم الموردين للصورة الثانية ، التي علمت لزوم الاجتناب عن الجميع .
ومع ذلك فقد اختار الشيخ الأنصاري وتبعه المحقّق النائيني عدم لزوم الاجتناب مستدلّين بأنّ الأصل الجاري في الملاقي لما كان متأخّراً عن الأصل الجاري في الملاقى لكونه مسبّباً عنه ، فلا تصل النوبة إليه إلّا بعد سقوطه في الملاقى وبعد سقوطه فيه لأجل المعارضة ، تصل النوبة إليه بلا معارض .
يلاحظ عليه : أوّلًا : عدم تمامية المبنى وأنّ مجاري الأُصول في السببي والمسبّبي كلّها في عرض واحد ، وأنّ الدليل يشمل الجميع دفعة واحدة . وأمّا حكومة الأصل السببي على المسبّبي فإنّما هو لوجه آخر سيوافيك بيانه في خاتمة الاستصحاب . وعلى ذلك فأدلّة الأُصول تشمل الطرف الآخر والملاقى والملاقي دفعة واحدة ولا تجرى في واحد منها للتعارض والتساقط .
وثانياً : أنّ العلم بالملاقاة لما كان متقدّماً على العلم الإجمالي فيقع الملاقي عند حدوث العلم الإجمالي طرفاً له أيضاً فيجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى والطرف الآخر .
وثالثاً : أنّ الأصل الجاري في الملاقي وإن كان متأخّراً عن الأصل الجاري في الملاقى لحديث السببية ، إلّا أنّ الأصل الجاري فيه بالنسبة إلى الطرف الآخر ليس كذلك فيتعارضان ويتساقطان ويكون العلم منجّزاً بالنسبة إلى جميع الأطراف ،
المحصول في علم الاُصول — صفحة 529
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٢٩