المشكوك فيه غير مسموعة إذ ليست التذكية أمراً عرفياً كي ينزّل الدليل عليه ، ويدفع احتمال التقييد بالإطلاق ، كما كان الأمر كذلك في مثل قوله تعالى : (
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
) « 1 » .
يلاحظ عليه : أنّه أيّ فرق بين البيع والتذكية ، فقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام عارفة بها كما كانت عارفة بالبيع ، كما أنّ تقييد الثاني بالشروط لا يخرجه عن كونه حقيقة عرفية فكذلك الأوّل ، ولعلّ منشأ ما ذكره هو الخلط بين التذكية ، بالذال أُخت الدال ، والتزكية بالزاء أُخت الراء ، فالذي يمكن القول بأنّه أمر بسيط أو منتزع من أُمور هو التزكية بمعنى الطهارة والتنزيه كما في قوله سبحانه : (
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
) ( الشمس / 107 ) فالتزكية النفسانية وصف حاصل للنفس من القيام بأُمور والاجتناب عن أُمور أُخر . وليس كذلك » تذكية الحيوان « بمعنى ذبحه وفري أوداجه . ويؤيد ذلك ما ذكره أهل اللغة حول » التذكية « قال في اللسان : والتذكية : الذبح « 2 » .
وبالجملة لم يثبت أنّ لها حقيقة شرعية سوى إضافة شرائط خارجة عن حقيقتها .
وأمّا الثاني : فمقتضى الأُصول العملية هو البراءة لدوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين عند إجمال النص ، وعدم كونه في مقام البيان ، فرفع احتمال الشرطية أو المانعية ، بحديث الرفع ، أو استصحاب عدم شرطية المشكوك أو مانعيته محكَّمان ، وهما متقدّمان على أصالة عدم التذكية ، لكون الشك في الثاني مسبباً عن الشك في الأوّل ، فرفع الشرطية والمانعية عن ناحية المشكوك يرفع الشك عن ناحية الثاني على فرض جريانه . كما أنّ الأوّل أي الرجوع إلى البراءة يغني عن
هامش
( 1 ) - مصباح الأُصول : ج 2 ص 313 .
( 2 ) - لسان العرب ج 14 ص 288 .