ارتفاع الحكم من زمان ورود الخاص وكان الحكم الواقعي إلى زمان ورود الخاص هو العام ، فلم يكن هناك إلقاء في المفسدة وتفويت للمصلحة .
وأمّا إذا كان المولى بإلقاء العموم في مقام بيان الحكم الظاهري دون بيان الحكم الواقعي ، كان الناس مكلّفين بالحكم الظاهري دون الواقعي ما لم يصل إليهم الخاص ، فإذا وصل ارتفع الحكم الظاهري بارتفاع موضوعه ، وتصل النوبة إلى العمل بالحكم الواقعي ويكون الخاص مخصّصاً غير متأخّر عن وقت الحاجة .
ولكن الظاهر هو القول بالتخصيص مطلقاً وذلك لأنّ المصلحة أوجبت بيان الأحكام تدريجاً فالأحكام كلّها كانت مشرّعة في عصر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نازلة عليه ، غير أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : بيّن ما بيّن ، وأودع ما لم يُبيّن إمّا لعدم استعداد في المجتمع أو لعدم وجود الفرصة للبيان ، أو لوجود المصلحة في تأخيره عند أوصيائه الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) بعده ، وليس تأخير البيان أمراً قبيحاً بالذات حتى لا يُغيّر حكمه وإنّما هو بالنسبة إلى القبح كالمقتضي نظير الكذب ، فلو كان هناك مصلحة غالبة كنجاة المؤمن كان أمراً حسناً . هذا هو الحقّ الذي يدركه من سبر حال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمجتمع الإسلامي .
فأقصى ما في تأخير البيان وقوع المكلّف في المشقّة ، أو تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة وكلّها هيّنة إذا اقتضت المصلحة الكبرى تأخير البيان .
الصورة الرابعة : إذا ورد العام بعد الخاص وقبل حضور وقت العمل به كما إذا قال : لا تكرم العالم الفاسق في شهر رمضان ثمّ أمر بإكرام العلماء قبل دخول الشهر ، ففي هذه الصورة يتعيّن كون الخاص المتقدّم مخصِّصاً للعام المتأخّر ، ولا وجه للنسخ لما عرفت من عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل .
أضف إلى ذلك ما سبق من أنّه يلزم لغوية حكم الخاص في المقام وهو لا يصدر من الحكيم العالم بعواقب الأُمور .
المحصول في علم الاُصول — صفحة 584
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٨٤