يلاحظ عليه أوّلًا : أنّه لم يبيّن ضابطاً لما نطق به المتكلّم ولما لم ينطق به ، حتى يتبيّن وجه جعل المداليل التضمّنية والالتزامية من المنطوق دون المفهوم .
فإن كان الملاك سرعة التبادر إلى الذهن وأنّ الأخيرين أسرع تبادراً إليه من المداليل المفهومية ففيه ، أنّه ربّ مفهوم أسرع تبادراً من القسمين المذكورين خصوصاً إذا كان المفهوم ، مفهوم الموافقة كالنهي عن الشتم والضرب المتبادر من النهي عن التأفيف ، وتبادره أسرع من تبادر جزء المعنى الذي يكون مغفولًا عنه ، فكيف يكون التنطق بالكل تنطقاً بالجزء ، ولا يكون النهي عن التأفيف تنطقاً بالنهي عن الضرب والشتم عندهم ؟ اللهمّ إلّا أن يلتزم قائل بأنّه من المداليل المنطوقية كما هو ليس ببعيد .
وإن كان المقياس هو كون المنطوق ممّا سيق لأجله الكلام ، فلا ريب أنّ المفاهيم ربّما تكون ممّا سيق لأجلها الكلام .
وثانياً : أنّ التنطق بالملزوم إنّما يعدّ تنطقاً باللازم إذا كان اللازم من قبيل اللازم البيّن بالمعنى الأخص ، وأمّا اللازم البيّن بالمعنى الأعم أو اللازم غير البيّن فجعلهما من قبيل المنطوق بعيد غايته ولا يصحّ أن يقال إنّ المتكلم تنطق بذلك . فلا يصحّ عدّ جميع الدلالات الالتزامية من المداليل المنطوقية .
توضيح ذلك : أنّ دلالة اللفظ على المعنى اللازم على وجوه ثلاثة :
الأوّل : يكفي تعقّل الملزوم في الانتقال إلى لازمه وهذا ما يسمّى باللزوم البيّن بالمعنى الأخص وهذا في المفردات كالبصر بالنسبة إلى العمى ، وكون النهار موجوداً بالنسبة إلى قولنا : » الشمس طالعة « في المركّبات .
الثاني : ما لا يكفي ذلك بل لا بدّ من تصور اللازم والملزوم والنسبة بينهما وهذا ما يقال له اللازم البيّن بالمعنى الأعم كما في الزوجية بالنسبة إلى الأربعة فما لم
المحصول في علم الاُصول — صفحة 343
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤٣