أمّا الثاني : فهو مقتضى القاعدة المعروفة » دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة « ، فانّها تقتضي تقديم النهي على الأمر .
أقول : إنّ الدليل الأوّل مبني على تقديم النهي لكونه أقوى دلالة فهو ناظر إلى عالم الإثبات وهذا الدليل مبني على تقديم النهي ، لكونه أقوى ملاكاً فهو ناظر إلى عالم الثبوت فهو مركّب من صغرى وكبرى .
فالصغرى هي أنّ في ارتكاب النهي مفسدة ، وفي ترك الواجب ، ترك المصلحة ، والكبرى هي أنّ دفع الأُولى أولى من جلب الثانية .
وقد ناقش المحقّق القمي في الصغرى بأنّ في ترك الواجب أيضاً مفسدة إذا تعيّن .
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ الواجب إذا تعيّن ليس إلّا لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة كما أنّ الحرام بالعكس .
ثمّ إنّه قدَّس سرّه ناقش في الكبرى وسيوافيك الكلام .
الظاهر عدم صحّة القاعدة صغرى وكبرى .
أمّا الأُولى فلأنّ المراد من المصالح والمفاسد ، هي الأعمّ من الفردية والاجتماعية فعندئذ ربّما يكون في ترك الواجب مفسدة اجتماعية ، كما في ترك الجهاد ، فانّه يوجب الذلّ والهوان وسيطرة العدو على النفوس والأموال وأيّ مفسدة أعظم من ذلك .
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : » فو اللّه ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم قط إلّا ذلّوا « « 1 » ومثله ترك الزكاة فانّ في تركها إيجاد الفوضى واتساع دائرة الفتنة وفقدان الأمن المالي . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : » فما جاع فقير إلّا بما مُتِّع به غني « . « 2 »
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، الخطبة 27 .
( 2 ) - نهج البلاغة ، قصار الحكم ، برقم 328 .