وثالثا : أنّ التحقيق كون المراد باليقين في المقامين هو الأعمّ من التفصيلي والإجمالي ، ولكنّ الظاهر بقرينة السياق تعلّق الثاني بعين ما تعلّق به الأوّل ؛ فلو علمنا إجمالًا بحرمة شيء وجب ترتيب آثار حرمته عند الشكّ في زواله ما لم يعلم بارتفاع ذلك ، ولو علم تفصيلًا بطهارة شيء وجب ترتيب آثارها ما لم يعلم بنجاسة هذا الشيء وفيما نحن فيه ليس كذلك ، فافهم . فإنّ كلًّا من الطرفين معلوم سابقا واليقين الإجمالي في اللاحق لم يتعلّق بهذا بخصوصه ولا بذاك ، بل تعلّق بما ينطبق على واحد منهما .
الثاني : ما أصرّ عليه المحقّق النائيني قدس سره « 1 » من الفرق بين الأصول المحرزة وغيرها وأنّ في المحرزة منها لا يعقل وقوع التعبّد في الطرفين مع العلم بالخلاف في أحدهما للزوم التناقض ، وقد عرفت سابقا جوابه بنحو الإجمال . « 2 » والتحقيق أن يقال : بعدم شمول الأدلّة لأطراف العلم لكن لا لما ذكروه ، بل للانصراف ، نظير انصراف أدلّة النهي عن العمل بالظنّ عن العمل بقول الثقة ، فإنّ العرف بعد ما ارتكز في أذهانهم ورسخ فيها العمل بأخبار الثقة يحتاج ردعهم عن ذلك إلى مئونة كثيرة ولا يرتدعون عنه بصرف استماع الآيات الناهية ، ففيما نحن فيه أيضا بعد ما ارتكز حجّية العلم مطلقا ووجوب العمل على طبقه يحتاج الترخيص في مخالفة بعض أطرافه إلى مئونة زائدة سوى عمومات الترخيص .
ولا يتبادر إلى ذهن أحد من العرف شمول العمومات لمثل أطراف العلم الإجمالي .
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي 14 : 4 .
( 2 ) - تقدّم في الصفحة 181 .