الصورة الثانية من صور السببية :
أن تكون الإمارات سببا لحدوث مصلحة في متعلقها أقوى من مصلحة الواقع .
وفيه أولا : أنه يستلزم تعدد الأحكام بتعدد المجتهدين .
وثانيا : أنه يستلزم خلو الواقع عن حكم في حق الجاهل في حال قيام إمارة على خلاف الواقع .
وثالثا : أنه يستلزم عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها .
ورابعا : أنه يلزم منه كون الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل في مرحلتي الاقتضاء والإنشاء لا غير ، ومختصة بالعالم في مرحلة الفعلية والتنجز فقط ، وهذا هو المنسوب للمعتزلة ، بل لعله هو مذهب الأشاعرة ، وهو مستلزم للتصويب في الجملة .
ويمكن تقريبه بأن المصالح والمفاسد الكائنة في الأفعال اقتضائية ، تقبل التغيير والتبديل بحسب العناوين والاعتبارات .
وهو وإن كان أقل قبحا من سابقه ، وأبعد عن المحاذير المانعة منه ، إلا أنه لا يخلو من التأمل فيه من وجهين :
أولهما : أنه مخالف للإجماع المنعقد على بطلان التصويب .
وفيه : أن الإجماع لبي ، والقدر المتيقن منه هو بطلان التصويب بالمعنى الأول .
ثانيهما : أنه لا ثمرة لاشتراك التكاليف بين العالم والجاهل في صورة ما إذا عمل الجاهل بالإمارات والأصول واستمر ذلك إلى آخر عمره ، وكان مؤداها مخالفا للواقع ، وفي ذلك ما لا يخفى .