وفيه أوّلًا : أنّ الحكم بعدم الوجوب قد مضى في الكلام ، فلا داعي لتكراره ، لا سيّما مع سبق التأكيد بالنسبة إلى ما يحتاج إليه وهو قوله « حتّى يجيء يجيء من ذلك أمر بيّن » ، لرفع توهّم كفاية الظنّ القويّ الّذي يتسامح العرف فيه بإقامته مقام اليقين ؛ وأمّا بالنسبة إلى عدم وجوب الوضوء فالتأكيد لا يناسبه قطعاً ، إذ لا داعي إلى الحكم بالإيجاب أو ترتيب أثر الإيجاب مع التصريح بعدم الوجوب ؛ مع أنّ التأكيد بالمحذوف غير متعارف وغير مناسب لمقامه . والتكرار ليس بداعي التعليل ، لأنّ ما تقدّم صالح للتعليل ، فلاداعي للحذف وإقامة العلّة مقام المحذوف مع صلاحيّة المذكور للتعليل ، فإنّه يقال بعد قوله « حتّى يجيء يجيء من ذلك أمر بيّن » : لأنّه لا ينقض اليقين بالشكّ .
وثانياً : أنّه لا داعي للالتزام بالحذف بعد صلاحيّة الكلام لأن يكون جواباً للشرط المستفاد من قوله « وإلّا » ، لأنّ قوله « ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ » صالح للجواب ويكون قوله « فإنّه » توطئةً ، ولا يتصوّر فيه إشكال ، فإنّ الإيراد عليه بأنّ الجواب خالٍ عن الفاء مندفع بأنّه عطفٌ على قوله « فإنّه على يقين » فيكون مدخولًا للفاء كما في الأجوبة المعطوفة على الجواب الأوّل ، فيقال : « إن جاءك زيد فسلّم عليه وأكرمه » كقوله تعالى :
« إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ »
« 1 »
.
والحاصل : أنّه لا يرى أيّ حزازة في أن يقال : إن جاءك زيد فإنّك كريم وعليك إكرامه .
نعم ، ما في بعض التقارير من أنّ « الجواب قوله ( فإنّه على يقين ) من باب أنّ المقصود أنّه يبني على اليقين » « 2 » ممّا لم يعهد استعمال ما يماثله في مثل ذلك في العربيّة والفارسيّة ، فهو غير محتمل .
وثالثاً : على فرض الحذف فالجزم بأنّ ما يقوم مقام المحذوف لا بدّ أن يكون علّتَهُ مشكل ، فإنّه يُرى بحسب الارتكاز استقامةُ أن يقال : « إن كان زيد كافراً فلا تكرمه ، وإلّا فإكرام المؤمنين مطلوب مرغوب » مع أنّه ليس القائم مقام المحذوف
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 6 .
( 2 ) فوائد الأصول : ج 4 ص 336 .