أحدهما أن يكون من يريد التمسّك بالكلام مقصوداً بالإفهام . ثانيهما أن يكون مورد الدوران أصل المعنى ولا يكون متيقّن في البين إلّا بنحو الترديد والدوران ؛ ولعلّ قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ . . . » ( 1 )
من هذا القبيل ، بتقريب أن يقال : إنّ الباطل حقيقة في أكل المال الّذي لا يستحقّ التصرّف فيه ؛ ويمكن أن يستعمل في أكل ما يكون لنفسه ويستحقّ أكله لكن لا بنحو التجارة والاسترباح ، اتّكالًا على قوله تعالى :
« تِجارَةً عَنْ تَراضٍ »
، لكن حيث إنّه تعالى في مقام تفهيم المؤمنين ، ومع دوران أمر « الباطل » بين أكل مال الغير وأكل مال نفسه بدون الكسب والاتّجار يلزم الخلف ، لعدم حصول التفهيم ، فيحمل لفظ الباطل على معناه الحقيقيّ .
وأمّا إذا لم يكن كذلك بل كان الأمر دائراً بين المطلق والمقيّد والعامّ والخاصّ كما في قوله عليه السلام في صحيح زرارة : « وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا تنقض اليقين أبداً بالشكّ » ( 2 ) فاكتناف الكلام باللام الّذي يحتمل أن يكون للجنس وللعهد موجب للإجمال ، لعدم حصول الاطمينان النوعيّ ولا الظنّ كذلك بكون المتكلّم في مقام البيان ، وليس بناؤهم على كون الكلام المذكور حجّةً على الإطلاق أو على الخاصّ .
وكذا إذا لم يكن السامع مقصوداً بالإفهام ، كما لو سمع أحد أنّ المولى يقول لعبده :
« أكرم العادل على ما تعلم » فتردّد الأمر بين أن يكون تأكيداً لإكرام العادل - بأن أشار إليه أوّلًا ثمّ أكّده وأشار إلى المعهود السابق - أو إشارةً إلى شرط ذكره سابقاً ، فإنّه لا يمكن لغير المقصود بالإفهام التمسّك به وإن كان الأمر دائراً بين معنيين متباينين .
هذا تمام الكلام في مقام الدوران بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ ، وقد عرفت الكلام فيه في ثلاث مقامات : الأوّل في ما إذا دار بينهما مع القطع بعدم إقامة القرينة من جانب المتكلّم . الثاني في ما إذا دار الأمر بينهما من جهة الشكّ في وجود القرينة .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 29 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء .