تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
شرح
وثانياً : أنّ الوجدان يشهد بعدم ترادف « صلّ » و « أريد منك الصلاة » في مقام الإخبار عن تحقّق الإرادة النفسانيّة . كيف ! ولو كانا مترادفين لحسن استعمال كلّ واحد منهما في الآخر ، فإنّ شرط الواضع لا يوجب التضييق إلّا في دائرة المعنى الحقيقيّ من دون أن يوجب عدم صحّة الاستعمال المجازيّ ، فإنّه تابع لحسن الاستعمال ، وهو متوقّف على العلاقة ، وأيّ علاقة أشدّ من الترادف بين ذات المعنى مع فرض الاختلاف في الشرط الّذي شرطه الواضع ، ويحصل الوضع التعيّنيّ بكثرة الاستعمال قهراً . الثاني - وهو العمدة - أنّه بعد ما ليست حقيقة الإنشاء هي الإيجاد الذهنيّ الموجود في جميع الاستعمالات وإلّا كان كلّ استعمالٍ إنشاءين بل أكثر ، مضافاً إلى عدم صدق الإنشاء على صِرف التصوّر ولا التصديق الموجود في الجملة الخبريّة وإلّا لكان الإنشاء محقّقاً للجملة الخبريّة ولم يكن في قبالها ، فلعلّ التحقيق أن يقال : إنّها إمّا إيجاد بعض الصفات في النفس كالإرادة والتمنّي والترجّي ، وإمّا الإيجاد في وعاء الاعتبار كالملكيّة والزوجيّة والحرّيّة والرقّيّة . والمقصود من الإيجاد في وعاء الاعتبار - على ما حقّقه بعض المحقّقين ( 1 ) - هو فرض وجود حقيقة من الحقائق الخارجيّة في ترتيب الآثار ، فالملكيّة الإنشائيّة الاعتباريّة هي إيجاد فرض مقولة الجدة من حيث ترتيب الآثار عليها . وأمّا في هيئة افعل فيمكن أن يقال : إنّ المستعمل فيه فيها إيجاد البعث الاعتباريّ أي فرض تحقّق البعث والتحريك الخارجيّ من حيث وجوب الامتثال ، فذلك حقيقة الإنشاء مع قطع النظر عن اللفظ الدالّ عليه ، فهو إيجاد في وعاء النفس غير التصوّر والتصديق أو في وعاء الاعتبار ؛ ولعلّ من القسم الأوّل منه التوطّن والإعراض عن الوطن والعهد والنذر . الثالث : الظاهر عدم دخالة اللفظ في حقيقة الإنشاء بأحد المعنيين المتقدّمين ، فإنّه لا يعقل أن يكون حكاية اللفظ عن المعنى دخيلة في حصول المعنى ، ولا أن يكون اللفظ من دون الحكاية سبباً لحصول المعنى أو آلةً لوجوده كما هو المعروف في الألسن . وانطباق المعنى على اللفظ في بعض الإنشاءات - كما في النداء أو البعث باللفظ - غير كون اللفظ دخيلًا في تحقّق المنشأ دائماً ، فإنّ معنى « يا زيد » هو نداء زيد المنطبق على ذلك اللفظ كما في قوله : « أتكلّم معك » إذا كان المقصود نفس هذا الكلام ، فلا فرق بين الإخبار والإنشاء من تلك الجهة . فالفرق بين الجملة الإنشائيّة والإخباريّة مع فرض اللفظ في كلّ منهما دالًاّ على المعنى وحاكياً عنه - إذ عرفت عدم تصوير موجديّة اللفظ للمعنى - : أنّ المدلول في الجملة الإخباريّة هو المفهوم لا نفس وجود المعنى ، بخلاف المدلول في الجملة الإنشائيّة فإنّه الإيجاد الاعتباريّ أو الحقيقيّ المتحقّق في الذهن كالتعهّد والتوطّن والإعراض والتمنّي . فلو استعمل كلّ ذلك في المفهوم القابل لأن يكون له وجود أو لم يكن له ذلك كان إخباراً قابلًا للصدق والكذب ، فلو قال « بعت » حاكياً عن مفهوم إيجاد البيع الاعتباريّ فعلًا فهو قابل للصدق والكذب ، كما أنّه لو استعمل التمنّي في المفهوم القابل للتحقّق والعدم كان كذلك ؛ فعدم قابليّة الجملة الإنشائيّة للصدق والكذب من جهة أنّ المستعمل
هامش
( 1 ) هو المحقّق الأصفهانيّ في تعليقته على مكاسب الشيخ الأنصاريّ قدس سره : ج 1 ص 30 .
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 55 | الشيخ مرتضى الحائري