تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
الظاهر من قوله تعالى :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . . » ( 1 )
أنّ الخضوع بترقّب الاستشفاع عبادةٌ محرّمة . قلت : يمكن الجواب عنها بعد وضوح عدم صدق العبادة على مطلق الخضوع وإظهار المحبّة وأنّ العبادة هي العبوديّة للمعبود بوجوه : منها : أنّه لعلّ المشركين يترقّبون منهم التقرّب بوسيلتهم إلى اللَّه تعالى بالاستقلال وأنّهم في هذا العمل مستقلّون في التأثير . ومنها : أنّهم كانوا يعبدونهم كذباً ، بمعنى أنّهم كانوا يخضعون للأصنام بعنوان كونهم آلهةً خالقين رازقين مستقلّين في التأثير في جميع الكون كذباً وتشريعاً - كما في مدح المادحين الكذّابين - وكان المنظور من الكذب المذكور هو تقرّبهم إلى اللَّه بوسيلتهم . ومنها : أنّهم كاذبون في ذلك ، بمعنى أنّهم كانوا يعبدون الأصنام باعتقاد الالوهيّة ، وقولهم : « مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ » ( 2 ) كذبٌ منهم ، وربما يؤيّد أحد الوجهين الأخيرين بذيل الآية الشريفة أي قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ »
( 3 ) . ومنها : احتمال كون عبادتهم للأصنام من باب النيابة في المعبود بمعنى أنّهم كانوا يخضعون لهم مقام خضوعهم للَّه تعالى ، لفرض عدم قابليّة نفوسهم لأن يكونوا عباداً للَّه تعالى ، فهم كانوا يجعلون الأصنام منزلة الحقّ المتعالي في العبادة . واللَّه أعلم .

المقام الرابع في البحث عن الظهور اللفظيّ

. قد يقال بعدم إمكان التمسّك بإطلاق الجملة المشتملة على الأمر ، لعدم إمكان التقييد ، وإذا لم يمكن التقييد لا يمكن الإطلاق أيضاً ، لأنّ من مقدّماته كون المتكلّم في مقام البيان بالنسبة إلى القيد الّذي يدفع بالإطلاق على تقدير دخالته في غرضه ، ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن يكون في مقام البيان بالنسبة إلى ما لا يتمكّن من بيانه وأخذه قيداً في متعلّق أمره .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 3 . ( 2 و 3 ) سورة الزمر : 2 .