تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ج ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
في هذه المرحلة فإنه يصحّح الملامة على العبد وذمّه بإقدامه ، لا إنه يصحّح جعل الضرر من الغير ، وإلّا فلكلّ أحد جعل الضرر على عباد اللّه ، بل جعل الضرر إنما يصحّ إذا كان بعد الكسر والانكسار حسنا وواجبا في الحكمة ، وقد عرفت أن مفسدة جعله أعظم من مفسدة تركه ؛ إذ لو لم يكن تخويف وتوعيد بالنسبة إلى هذا العاصي ، لم يكن في الخارج إلا وقوعه في مفسدة دنيوية ، وإيكاله إلى نفسه وهواه الموجب لوقوعه فيها أولى من جعل يوجب وقوعه في العقاب الأخروي أيضا ، فجعل العقاب مقدّمة لحفظ العبد عن الوقوع في المفسدة إنما يكون إحسانا للعبد ، إذا لم يستلزم ما هو أعظم من وقوعه في المفسدة . فالتحقيق : أنّ مصلحة التخويف العامّ حفظ النظام ، والحكيم يراعي المصلحة العامّة الكلّية ، فكما لولا تخويف من يرتدع حقيقة بالردع ، لما ارتدع ، فلم يبق نظام الكلّ محفوظا ، كذلك لو احتمل المجرم - بما هو مجرم - أنه لا يعذّب . فعموم التخويف والترهيب مما له دخل في حفظ النظام الذي لا أتمّ منه نظام . ومنه ظهر : أن المصلحة الداعية إلى التخويف ليست مجرّد حفظ العبد عن الوقوع في المفسدة - وإن كانت من الفوائد أحيانا - حتى يقال : بأنه لا يقاوم مفسدة الوقوع في العذاب الدائم ، بل حفظ النظام الذي لا يزاحمه شيء أبدا . فليس للمجرم حجة على اللّه - تعالى - لإقدامه على الضرر بإرادته ، ولا لأحد حجّة عليه - تعالى - من جهة جعله العقاب لاقتضاء المصلحة الغير المزاحمة بشيء . ومن هنا اتضح سرّ التكليف والتخويف ، مع القطع بعدم التأثير ؛ حيث إن المقدمة وإن كان شأنها إمكان التوصل بها ، لكن إيجادها مع القطع بعدم الموصلية لغو جزما - وإن لم يسقط عن المقدّمية - إلّا أنه بعد ما عرفت - أن