تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الدراية في شرح الكفاية ( ط . ج ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
هامش
إذا عرفت ذلك فاعلم : إن كان المراد من انتهاء الفعل إلى إرادة الباري - تعالى - بملاحظة انتهاء إرادة العبد إلى إرادته - تعالى - لفرض إمكانها المقتضي للانتهاء إلى الواجب ، فهذا غير ضائر بالفاعلية التي هي شأن الممكنات ، فإن العبد بذاته وبصفاته وبأفعاله لا وجود له إلا بإفاضة الوجود من الباري - تعالى - ويستحيل أن يكون الممكن مفيضا للوجود . وإن كان المراد من الانتهاء انتهاء الإرادة إلى الباري - تعالى - على حدّ انتهاء الفعل إلى فاعل ما به الوجود فهو مستحيل في حقه - تعالى - حتى يلزم الجبر . وبالجملة فالانتهاء إلى فاعل ما منه الوجود لازم ، لا أنه ضائر ، والانتهاء إلى فاعل ما به الوجود ضائر ، إلا أنه غير لازم بل مستحيل . فاتّضح : أن رجوع الفاعل بالإرادة إلى الفاعل بالجبر والقسر محال لاستحالة أن يكون الباري - تعالى - فاعل ما به الوجود بالإضافة إلى ذات العبد أو صفاته أو أفعاله ، بل بالإضافة إلى الكلّ هو - تعالى - فاعل ما منه الوجود ، ولا يترقب من الممكن أن يكون فاعلا بهذا المعنى حتى لا يلزم الجبر ، وهذه الشبهة هي العمدة في القول بالجبر . واما رجوع الفاعل بالإرادة إلى الفاعل بالطبع فنقول : بعد وضوح أن الفعل يستند إلى فاعله ، لا إلى شرائط الفاعلية بالفعل ، وبعد وضوح أن الفعل الإرادي ليس باقتضاء ذات الفاعل - كالإحراق بالنسبة إلى النار - لم يبق وجه للرجوع ، إلا توهم : أن الفاعل المختار لا بدّ من أن يكون فاعلا لشرائط الفاعلية ولو بمعنى ما به الوجود ، وإلا لكان نظير الفاعل بالطبع وإن لم يكن عينه للزوم الخلف ، وهو توهم فاسد ؛ إذ يستحيل أن يكون الإنسان فاعلا لشرائط الفاعلية إلا بالطبع - ولو بالأخرة - لاستحالة التسلسل . لا يقال : لازمه أن لا يكون فعل اختياري في العالم ، وهو لا محذور فيه ؛ إذ القائل بالجبر يدعي هذا المعنى أيضا . لأنا نقول : أولا - إنه قد عرفت أن هذا غير الجبر لاستحالة انتهاء الفعل شرائط الفاعلية إليه - تعالى - بهذا الوجه من الفاعلية الضائرة بالاختيار . وثانيا - ليس الأثر المرغوب لكون الفعل اختياريا في قبال غيره ، إلّا حسن التكليف والمؤاخذة ، وليس هذا الأثر من الأحكام العقلية النظرية حتى يقام عليه البرهان ، بل من الأحكام العقلية العملية ، ومن البيّن أنّ مناط الحسن والقبح عند العقلاء هو الفعل الصادر عن -