وأما الثالث فبيانه : أن الإرادة من الممكنات ، فلا بدّ من استنادها إلى
هامش
ينفكّ عنها - وان تلك الصفات مرحجات - فهي بضميمة النفس الموجودة في جميع الأحوال علة ناقصة ، ولا يوجد المعلول إلّا بعلّته التامّة .
وتوهّم الفرق بين الفعل الاختياري وغيره - من حيث كفاية وجود المرجّح في الأوّل دون الثاني - من الغرائب ، فإنه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة إلى العلة ، ولا فرق بين معلول ومعلول في الحاجة إلى العلّة التامّة ، فإنّ الإمكان مساوق للافتقار إلى العلة ، والمعلول إذا وجد له ما يكفي في وجود المعلول به كان علة تامة له ، وإذا لم يكن كافيا في وجوده فوجود المعلول به خلف . فتدبّره ، فإنه حقيق به .
ورابعا - أن الفعل المسمّى بالاختيار إن كان ملاكا لاختيارية الأفعال ، وأنّ ترتّب الفعل على صفة الإرادة مانع عن استناد الفعل إلى الفاعل لكان الأمر في الواجب - تعالى - كذلك ، فإنّ الملاك عدم صدوره عن اختياره ، لا انتهاء الصفة إلى غيره ، مع أن هذا الفعل المسمّى بالاختيار يستحيل أن يكون عين ذات الواجب ، فإن الفعل يستحيل أن يكون عين فاعله ، فلا محالة يكون قائما بذاته قيام الفعل بفاعله صدورا ، فإن كان قديما بقدمه كان حال هذا القائل حال الأشعري القائل بالصفات القديمة القائمة بذاته الزائدة عليها ، وإن كان حادثا كان محلّه الواجب فكان الواجب محلّا للحوادث ، فيكون حاله حال الكرامية القائلين بحدوث الصفات ، ويستحيل حدوثه وعدم قيامه بمحلّ ، فإنّ سنخ الاختيار ليس كسنخ الأفعال الصادرة عن اختيار من الجواهر والأعراض ؛ حتى يكون موجودا قائما بنفسه ، أو قائما بموجود آخر ، بل الاختيار يقوم بالمختار ، لا بالفعل الاختياري في ظرف وجوده ، وهو واضح .
وأمّا ما ورد في باب المشيّة - من أنه خلق اللّه الأشياء بالمشيّة ، والمشيّة بنفسها - فالمراد من المشيّة هي المشيّة الفعلية التي هي عين الوجود الإطلاقي المنبسط على الماهيات ، والمراد من الأشياء هي الموجودات المحدودة . ومن البيّن أن الوجود المنبسط - الذي هو فعله الإطلاقي تعالى - ما به موجودية الموجودات الخاصّة ، وليس لما به الوجود ما به الوجود .
وبالجملة فهذه المشيّة الفعلية عين الإحداث والإيجاد كالعلم الفعلي في قبال العلم الذاتي .
فافهم جيدا . ( منه عفي عنه ) .