ثمّ إنّ هاهنا أدلّة أخرى للقول بوجوب تقليد الأعلم غير ما سبق من الوجوه الثلاثة تعرّض لها جمع وأعرض عنا المصنف :
الأول : بناء العقلاء على الرجوع إلى الأعلم والتمسك برأيه في أمور معاشهم ومعادهم ، ومن جملة ذلك الرجوع إلى الأعلم عند الاختلاف في الفتوى ، ولم يظهر من الشارع ردعهم عنه فيكون تقريرا منه ويجب الرجوع اليه ، ودعوى منع التزامهم بذلك والّا لزم تعطيل المفضول في المهن والفنون كالطب والهندسة والصياغة والخياطة ونحوها بحيث إنّ أرباب الفنون والصنائع كلهم يزاولون أعمالهم وفيهم الأفضل والمفضول قطعا . أقول هذه الدعوى ضعيفة جدا فان العقلاء حريصون على الرجوع إلى الأعلم والمتخصص بحسب وسعهم ، وربما يتحمّلون المشاق لتحصيل ذلك سيّما في مثل الطب بل حتى مثل الخياطة ولا يتجاوزون عن مهندس أو معمار خبير إلى من دونه ، نعم فيما إذا كان السفر للعلاج أو تحصيل مهندس خبير حرجيّا يراجعون إلى من دونه الأيسر فالأيسر .
وان أبيت فلا بد لك من الفرق بين الفنون والصنائع وما يرجع إلى سعادة الدارين وهو الرجوع إلى فتوى الأعلم إذ الاهتمام به أشدّ وآكد عندهم من غيره . وأضعف من ذلك دعوى ردع الشارع عن هذه الطريقة من جهة اطلاقات أدلة التقليد من الآيات والروايات ، وذلك لأن الاطلاقات قابلة للتقييد ولو بمثل بناء العقلاء ، فضلا عن أدلة خاصة مما سبق آنفا من الروايات وغيرها .
الثاني أن الأعلم أكثر إحاطة بمدارك الأحكام من غيره ومرجعه إلى أن الأعلم يعرف من مدارك الأحكام ما لا يعرفه العالم ، فالنسبة بينهما فيما يعرفه الأعلم ولا يعرفه العالم نسبة العالم والجاهل ، ولا شبهة في عدم صحة التسوية بينهما في الرجوع إلى كليهما ودعوى انكار أكثرية الإحاطة في الأعلم حيث إن الفقهاء على
منتهى العناية في شرح الكفاية — صفحة 334
مساهمون: السيد محمد الفيروز آبادي النجفي
ص٣٣٤