شرح
حكم بكون الأصل مثبتا في القسم الثالث دون القسم الأول والثاني ؛ وذلك لتغاير الواسطة مع المستصحب في القسم الثالث دون القسم الأول والثاني ، فإن الواسطة متحدة مع المستصحب وجودا فيهما .
والملاك في مثبتية الأصل عند المصنف : أن تكون الواسطة مغايرة وجودا للمستصحب ؛ كالسواد والبياض ونحوهما من المحمولات بالضميمة التي لها ما بإزاء في الخارج ؛ وإن كانت قائمة بمعروضاتها ، فإن كان لسواد الجسم مثلا أثر شرعي لا يترتب على استصحاب الجسم أثر سواده .
وحاصل الكلام في المقام : أن مورد الأصل المثبت عند المصنف هو ما إذا كانت بين المستصحب والواسطة مغايرة وجودا . وأما إذا كان بينهما اتحاد وجودي ؛ بحيث تحمل الواسطة على المستصحب بالحمل الشائع لم يكن الاستصحاب لترتيب أثر الواسطة على المستصحب من الأصل المثبت أصلا ، ضرورة : أن متعلق الحكم على ما ثبت في محله وإن كان هو الكلي ؛ لكنه بلحاظ وجوده ، لعدم قيام الملاكات الداعية إلى تشريع الأحكام بالطبائع بما هي هي ؛ بل بلحاظ وجودها ، ومن المعلوم : أن الكلي موجود بعين وجود فرده ، سواء كان منتزعا عن ذات الفرد كالإنسان المنتزع عن زيد مثلا ، أم منتزعا عن اتصافه بعوارض ليس لها ما بإزاء في الخارج ؛ بل هي متحدة وجودا مع معروضها كالعالم والعادل ونحوهما من العناوين الاشتقاقية التي لا يكون لمبادئها ما يحاذيها في الخارج .
وعليه : فإذا شككنا في بقاء مائع على خمريته ، فاستصحاب خمريته لترتيب حرمة طبيعة الخمر عليه ليس مثبتا . وكذا استصحاب عدالة زيد مثلا لترتيب آثار طبيعة العادل عليه ليس مثبتا .
هذا كله بناء على تعلق الأحكام بالطبائع . وأما بناء على تعلقها بالأفراد فالأمر أوضح ؛ لكون الفرد بخصوصيته موضوع الحكم ، من دون حاجة في إثبات الحكم له إلى انطباق الطبيعي عليه .
ونتيجة البحث في المورد الأول : هي كون الأصل مثبتا عند الشيخ نظرا إلى وجود الواسطة وهي الكلي ؛ لأن الحكم للفرد إنما هو بواسطة الكلي ، وليس الأصل مثبتا عند المصنف نظرا إلى اتحاد الواسطة مع المستصحب وجودا ؛ لأن الكل لا يعدّ لازما عقليا للفرد كي يكون الاستصحاب من الأصل المثبت ، بل هو عين الفرد وجودا ومتحد معه خارجا ، فلا يكون الأصل مثبتا . هذا تمام الكلام في المورد الأول من الموارد الثلاثة .