شرح
وأما بحسب الاصطلاح الأصولي : فيكون التجري مباينا للعصيان ، وكذلك يكون الانقياد مباينا للإطاعة .
وذلك أن التجري في الاصطلاح الأصولي هو : مخالفة القطع غير المصادف للواقع ، أو مخالفة مطلق الحجة غير المصادف للواقع . هذا بخلاف المعصية فإنها عبارة عن مخالفة القطع المصادف للواقع . وكذلك بالنسبة إلى الانقياد والإطاعة ، فالأول : هو موافقة القطع غير المصادف للواقع . والثاني : موافقة القطع المصادف للواقع .
هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل .
وأما الأمر الثاني : فنقول : إن مسألة التجري يمكن تكون من المسائل الكلامية ، فيبحث فيها عن استحقاق المتجري للعقاب وعدم استحقاق له ، ويمكن أن تكون من المسائل الفقهية ، فيبحث فيها عن أن الفعل المتجري به هل يكون محرما أم لا ؟
ويمكن أن تجعل من المسائل الأصولية ، فيبحث فيها عن أن التجري هل يوجب قبح الفعل المتجري به فيترتب عليه الحكم بالحرمة ، فتقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، فتكون من المسائل الأصولية .
إذا عرفت هذين الأمرين فيقع الكلام في بيان ما هو محل الكلام في المقام فيقال : إن الظاهر هو عدم الخلاف في حجية القطع ، بمعنى : صحة الاحتجاج من المكلف على الشارع في مورد الإطاعة والانقياد ، ومن الشارع على المكلف في مورد المعصية ، وإنما الخلاف في حجية القطع للشارع على المكلف في مورد التجري هل يكون قطعه هذا حجة حتى يعاقب المكلف على المخالفة أم لا ؟
بمعنى : أنه كان للشارع أن يحتج به عليه ويعاقبه عند مخالفته لقطعه وإن كان جهلا مركبا . وهناك أقوال :
قال المصنف : إن التجري يوجب استحقاق العقوبة لانطباق عنوان الطغيان والتمرد عليه ، كما أشار إليه بقوله : « الحق أنه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته » .
وقال الشيخ الأنصاري : إن التجري لا يقتضي شيئا سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه الذي لا يترتب عليه سوى اللوم .
وقيل : باقتضائه لاستحقاق العقوبة على مجرد العزم على العصيان محضا لا على الفعل المتجري به نظرا إلى أن التجري من المحرمات الجنانية لا الجوارحية .
قوله : « قد عرفت إنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة » .