لا يقال : الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلا كفقد بعضها ، فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان ، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار ، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجا عن
شرح
الترخيص الفعلي في شرب أحدهما تخييرا مع أنه ربما يصادف الخمر الواقع بينهما ، وهذا يدلّ على عدم تنجّز الواقع رأسا وان كان مصادفا مع الطرف الّذي لم يكن مختار المكلّف في مقام الشرب ، وعلى هذا فيجوز ارتكاب كلا المائعين تدريجا ، وذلك كلّه من غير فرق بين ان يكون الاضطرار سابقا على العلم أو معه أو بعده .
ان قلت : ما الفرق بين هذا المقام وبين ما إذا فقد أحد المائعين بعد العلم بخمرية أحدهما ، مع انّ الحكم هناك لزوم الاجتناب عن الآخر الموجود باعتبار لزوم الخروج عن عهدة ما تنجّز من الحكم قبل الفقدان ؟
قلت : الفرق بين المقامين هو انّ عدم الفقدان ليس من قيود التكليف وحدوده حتى يقال بأنّ انتفاء القيد يوجب انتفاء الحكم بل انّما يكون الحكم متعلّقا بنحو الإطلاق إذا اشتغلت الذمّة به كذلك كان قضيّة الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك ، وهذا بخلاف المقام فانّ عدم طرق الاضطرار يكون من حدود التكليف نظير ساير القيود ، وعلى هذا يكون الحكم من أول الأمر مشكوكا في ظرف طروّ الاضطرار رأسا لاحتمال كون متعلّقه هو المضطرّ إليه أو المختار أوّلا .
هذا كلّه ما ذهب إليه المصنّف قدّس سرّه ، ولكن الشيخ الأنصاري قدس سرّه فصّل بين ان يكون الاضطرار مسبوقا بالعلم فقال بلزوم الاجتناب عن الباقي وبين ان لا يكون كذلك بان كان مقدما على العلم أو مقارنا معه فقال بعدم لزوم الاجتناب .
والوجه في هذه التفرقة هو انّ وجه عدم لزوم الاجتناب في الفرض الثاني